مراجعة: «لا كازادورا» – لوحة سينمائية متقنة عن الاختفاء والمعاناة

لا كازادورا

في افتتاحية فيلم «لا كازادورا» (La Cazadora)، تشاهد الشاشة السوداء، وتقطع أضواء السيارات الظلام، لتكشف للحظات وجوهًا عابرة قبل أن تختفي مرة أخرى. مشهد يوحي بالغموض والخوف، حيث يقف الناس في منتصف العراء في انتظار حافلة لا يعرف أحد وجهتها، حتى تصعد امرأة أخيرًا إلى المقعد الأخير، وتطلق النار على سائق الحافلة قبل أن تهرب في الظلام. هذه البداية، المليئة بالتوتر، هي مقدمة لما هو أكثر من مجرد قصة انتقام؛ إنها استكشاف عميق للغضب والخوف والغياب في مدينة خواريس الحدودية بالمكسيك، حيث تتكشف أعمال العنف ضد النساء بلا محاسبة تقريبًا.

المخرجة والكاتبة الفلسطينية الأمريكية سوزان أندروز كوريا، الحاصلة سابقًا على جوائز مهرجان صندانس للأفلام القصيرة، تعود هذا العام بفيلم مستوحى من قصة حقيقية عن قاتلة سائق حافلة سيطرت على المدينة برعبها. من خلال شخصية لوز، التي تقدمها الممثلة المكسيكية أدريانا باز، نرى امرأة تطارد العدالة بطرقها الخاصة، مدفوعة بغضبها على الأذى الذي لحق بها وبزميلاتها وأفراد عائلتها، وبحاجة ماسة لحماية ابنتها المراهقة. لوز ليست مجرد انتقامية؛ إنها تجسيد لغضب اجتماعي وصرخة ضد نظام يسمح بالانتهاكات دون رادع.

على مدار ليلتين متتاليتين بعد اغتيال سائق الحافلة، يبني الفيلم توتره ببراعة، مما يجعل المشاهد يعيش في مدينة تسكنها أشباح النساء المفقودات. بأسلوب يمزج بين الواقعية السحرية والدراما الواقعية، تتسلل الذكريات والصدمات إلى الحياة اليومية، فيجعل كوريا خواريس مساحة حدودية حيث يرفض الماضي أن يظل مدفونًا.

الفيلم يذكّرنا بعمل الوثائقي «الحنين إلى الضوء» لباتريشيو جوزمان، حيث يقارن بين بحث علماء الفلك عن نشأة الكون وبين بحث أهالي المفقودين عن رفات أحبائهم في صحراء أتاكاما. في كلتا الحالتين، تصبح الأرض أرشيفًا للغياب، والصورة نفسها تتكرر في «لا كازادورا»: النساء يبحثن عن الأحياء والمفقودين، بينما تحوم الأشباح إلى جانب الأحياء كعلامة على فقدان مستمر وعنيف.

أكثر ما يميز الفيلم هو أنه لا يقدم سردية الانتقام التقليدية. لوز ليست بطلة تحقق العدالة المفقودة، بل شخصية تعكس فشل المجتمع في حماية النساء من الخطر اليومي. من خلال دمج الأشباح مع الأحياء، يصبح الماضي حاضرًا دائمًا، والذاكرة ليست مجرد تسجيل للحدث، بل تجربة جسدية ومعيشة داخل المجتمع. هذه الرؤية تجعل «لا كازادورا» مثالًا حيًا لما يُعرف بـ«السينما المضادة للأرشيف»، حيث تُستعاد الذاكرة من خلال التجربة الشخصية لا السجلات الرسمية.

أداء أدريانا باز مذهل؛ تجسد الغضب والخوف والحاجة إلى الحماية ببراعة تجعل المشاهد مشدودًا لكل مشهد، لا سيما لحظات تجول النساء الشابات في الشوارع، حيث يظل الخطر قريبًا، دائمًا على بعد خطوات قليلة. الفيلم يحافظ على توتره بذكاء كبير، ويخلق شعورًا مستمرًا بالرهبة والقلق، حتى أثناء المشاهد اليومية البسيطة، مثل ركوب الحافلة، حيث تتماوج الأشباح والواقع في تجربة واحدة مشحونة بالعاطفة.

في نهاية الفيلم، تبقى صورة الافتتاح محفورة في الذهن: وجوه تظهر لفترة وجيزة قبل أن تختفي في الظلام، تعكس مصائر النساء في المدينة، وكيف يمكن أن تُبتلع الحياة بسرعة. الأم التي تبحث عن مفقوداتها، الأشباح التي تذكرنا بمن لم يعدوا، والمدينة التي تتحرك فيها النساء بحذر، كل ذلك يترك أثرًا نفسيًا عميقًا.

«لا كازادورا» ليست مجرد فيلم عن الانتقام، بل عمل سينمائي متقن عن الغياب والذاكرة والعدالة الضائعة، وعن القوة والمرونة التي تحتاجها النساء للبقاء على قيد الحياة في بيئة تهدد وجودهن يوميًا. إنه فيلم يثبت أن سوزان أندروز كوريا مخرجة ذات رؤية واضحة، وتعرف كيف تحفر في قلب المشاهد، لتتركه يفكر طويلاً في الماضي والحاضر والمفقودين.

الفيلم ينافس في مسابقة العالم الدرامي في مهرجان صندانس السينمائي هذا العام، ويجسد بكل اقتدار قدرة السينما على تحويل التاريخ الشخصي إلى تجربة جماعية، وتجعل من الصورة والظل والأشباح أدوات لسرد قصة المجتمع نفسه.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top