
في عالم السينما الحديثة، من النادر أن يجتمع الذكاء الهزلي مع التأمل الاجتماعي بطريقة متقنة. فيلم «ويكر» (Wicker)، للمخرجين إلينور ويلسون وأليكس هوستون فيشر، يحاول تقديم هذا المزيج من خلال توسيع قصة أورسولا ويلز القصيرة «الرجل المصنوع من القش»، ليصبح بمثابة تشريح لحياة الزواج والطقوس الاجتماعية في قرية من العصور الوسطى. لكن على الرغم من براعة التنفيذ، يبدو أن الفيلم يفتقد شيئًا أساسيًا: قلب ينبض حقًا تحت خيوط القش.
القصة تبدأ بحكاية غريبة تشبه الألغاز الشعبية: صيادة تطلب من صانع سلال أن ينسج لها زوجًا. المشهد، كما لو أنه مأخوذ من أسطورة فولكلورية، يصبح محور الفيلم، لكنه في الوقت نفسه يمثل التحدي الأكبر له. في قرية صارمة التقاليد، يُنظر إلى الزواج باعتباره نظامًا شكليًا خاضعًا للطقوس والعادات. هنا تأتي عبقرية أوليفيا كولمان، التي تقدم أداءً ذكياً حادًا كامرأة ترفض الخضوع للقيود المفروضة عليها.
في مواجهة كولمان، يظهر ألكسندر سكارسغارد في دور الرجل المصنوع من القش، ككائن غامض وهادئ، يصبح موضوع شغف جماعي للقرية بأسرها. النكتة الاجتماعية هنا تتجسد في العلاقة الغريبة بين البشر و«الزواج المصنوع»، بينما تحلل الكاميرا والسيناريو الصراعات الخفية في طقوس المجتمع.
من الصعب تصور من يستطيع تقديم الكوميديا الفارسية أو الكوميديا التاريخية بالشكل الذي تقدمه كولمان اليوم. في «ذا فيفورت»، حولت الملكة آن إلى دراسة في التدليل والقسوة، حيث لم يكن جمال الأداء في الفكاهة وحدها، بل في السماح للرقة بالتسرب عبر العبثية. وفي «ويكيد ليتل ليترز»، أظهرت كولمان براعة مختلفة، محوّلة قواعد المجتمعات التاريخية الصارمة إلى مصادر فكاهة، مستخدمة الألفاظ النابية كنوع من التفريغ النفسي، لا كأداة سخافة.
ما يميز كولمان هو أنها لا تعامل الكوميديا التاريخية كتمرين نوعي فحسب، بل كعمل شخصي يعتمد على بناء الشخصية أولاً. الضحك في أفلامها ينبع من حقيقة المشاعر، التناقضات الحادة، والقسوة الاجتماعية التي لا يمكن إنكارها.
لكن حتى عبقرية كولمان لا تستطيع إنقاذ فيلم «ويكر» من ضعف خياله السردي. شخصيتها في الفيلم امرأة عازبة تعتبر غريبة من قبل جيرانها، ويتهكم عليها أهل القرية لاستقلاليتها وحياتها غير التقليدية. في خطوة جذرية، تطلب من صانع السلال نسج زوج لها من القش، ليصبح لاحقًا محط غيرة وحنق أهل القرية بسبب إخلاصه «المثالي» ومهاراته الجنسية شبه الأسطورية.
المشكلة الأساسية في الفيلم ليست نقص الفكاهة أو الابتكار، بل في معاملة الفولكلور كزينة سطحية. تتكرر النكات وتتوالى المواقف دون أن تضيف عمقًا جديدًا للقصة، لتصبح مجرد سلسلة من التعليقات الذكية، لكنها تفتقر إلى القلب الذي يجعل القصة حية وملموسة.
في النهاية، «ويكر» فيلم يسبر أغوار العلاقات الاجتماعية والغيرة والاختلاف في القرية الصغيرة، لكنه يظل، رغم الذكاء في النص والأداء، سردًا بلا روح. تحت طبقات القش والنسيج الماهر، يفتقد العمل إلى نبض إنساني يجعل المشاهد يشعر بحياة الشخصيات الحقيقية، وليس مجرد تمثيل غريب لشخصيات مصنوعة من القش.
