
في واحدة من أكثر اللحظات التي لا تُنسى في نسخة هذا العام من مهرجان كان السينمائي، أثار الفيلم الوثائقي الإيراني «ضع روحك على يدك وامشِ» (Put Your Soul On Your Hand & Walk) للمخرجة سبيده فارسي ضجة كبيرة ليس فقط لجرأته السينمائية، بل أيضًا لتداعياته الإنسانية والسياسية العميقة. الفيلم يروي قصة المصورة الصحفية الفلسطينية الشابة فاطمة حسونة، التي فقدناها tragically إثر قصف إسرائيلي استهدف مبناها وعائلتها، بعد أيام قليلة من الإعلان عن عرض الفيلم في قسم ACID المتخصص بتوزيع السينما المستقلة.
الفيلم، الذي يقدّم من خلال محادثات فيديو مباشرة بين المخرجة وفاطمة، يركز على العلاقة الإنسانية الحميمة بينهما أكثر من عرض فظائع الحرب. هذا الاختيار أعطى العمل قوة مضاعفة، إذ تعرّف الجمهور إلى فاطمة كإنسانة، بروحها المرحة وصلابتها ودفئها، قبل أن يصبح موتها المؤلم واقعًا لا مفر منه. المشاهد الأخيرة، حيث تضيء فاطمة وجهها فرحًا عند سماع خبر قبول الفيلم في كان، قبل أن ترفض الانتقال من منزلها لحمايتها، أصبحت من أكثر المشاهد المؤلمة التي يمكن أن يتركها فيلم في ذاكرة المشاهدين.
أرفق الإعلان الأول عن الفيلم برسالة مؤثرة من فريق ACID، تذكر فيها لحظاتهم مع فاطمة، ابتسامتها، صلابتها، وشغفها بالتوثيق والمساعدة في غزة رغم القصف والجوع. وجاء في الرسالة: «لقد شاهدنا وبرمجنا فيلمًا بدا فيه نبع الحياة لدى هذه الشابة معجزة حقيقية. لم يعد هذا الفيلم نفسه بعد وفاتها.»
رد المخرج البريطاني كين لوش، الحائز على السعفة الذهبية مرتين، جاء كتحية لفاطمة، ودعا الجمهور في يوم عرض الفيلم إلى جعل موتها صاخبًا، وإجبار الدول على الالتزام بواجباتها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية. لاحقًا، انضمت قائمة طويلة من النجوم العالميين إلى حملة التضامن، منهم خواكين فينيكس، غييرمو ديل تورو، مارك رافالو، بيدرو باسكال، سوزان ساراندون، فيجو مورتنسن، رالف فاينس وغيرهم، مما حول الفيلم إلى قضية رأي عام قبل أن يُعرض حتى على الشاشة.
لحظة العرض في كان كانت استثنائية. الطوابير امتدت على امتداد شارعين، والكثير من الحاضرين ارتدوا الكوفية الفلسطينية، لتحوّل الدخول إلى قاعة العرض إلى بيان تضامني قوي. فاسي صعدت على المسرح وهي تحاول كبح دموعها، ووسط البكاء العنيف في القاعة، كان التصفيق في النهاية تكريمًا صادقًا للمخرجة ولروح فاطمة.
الأسلوب السينمائي للفيلم مبتكر، حيث تستخدم فارسي تصوير الشاشة أثناء مكالمات الفيديو، وتقاطعها مع نشرات الأخبار وصور فوتوغرافية لفاطمة. هذا الأسلوب لا يروي القصة فقط، بل يسلط الضوء على طبيعة الشهادة في العصر الرقمي، حيث تصبح الحرب موثقة من خلال الشاشات والبيكسلات ووسائل التواصل الاجتماعي. الفيلم يظهر كيف تصبح الشهادة عملية متصلة دائمًا بالمسافة والحواجز التكنولوجية، إذ تنقطع المكالمات باستمرار، لتذكّرنا بالعوائق التي تواجه من هم على الجبهات الأمامية.
«ضع روحك على يدك وامشِ» ليس مجرد فيلم وثائقي، بل هو مرثية، احتجاج، ووثيقة مقاومة. إنه يخلّد صوتًا حاول أن يجعل العالم يراه، حتى بينما العالم أغفل النظر. من خلال عدسة سبيده فارسي، نغادر القاعة بأكثر من مجرد ذكرى لفاطمة حسونة؛ نغادر بإحساس بالواجب: أن نشهد، أن نتذكر، أن نتحدث، وأن نتصرف.
