
على مدى ما يقارب ستة عقود، لم يكن يوسف شاهين مجرد مخرج يصنع أفلامًا، بل كان مشروعًا فكريًا وسينمائيًا متكاملًا، يتطور، يتناقض مع نفسه، ويصطدم بجمهوره كما يصالحه، من دون أن يتنازل عن قلقه الدائم وأسئلته المفتوحة. قرابة أربعين فيلمًا – بين روائي طويل، وتسجيلي، وقصير – شكّلت مسارًا استثنائيًا في تاريخ السينما العربية، مسارًا لا يمكن اختزاله في عمل واحد، لكنه يُفهم بوضوح أكبر عند التوقف أمام محطاته المفصلية.
في ذكرى مرور مئة عام على ميلاده، تبدو العودة إلى أفلام يوسف شاهين ضرورة ثقافية، لا مجرد احتفاء رمزي، لأنها تكشف كيف استطاعت السينما أن تكون سيرة ذاتية، وبيانًا سياسيًا، ومرآة مجتمع، واعترافًا شخصيًا في آن واحد.
باب الحديد (1958): حين تحوّلت الواقعية إلى كابوس نفسي
لا يمكن الحديث عن يوسف شاهين من دون التوقف طويلًا عند باب الحديد، الفيلم الذي شكّل نقطة انعطاف حاسمة في مسيرته، وربما في تاريخ السينما المصرية بأكمله.
في هذا العمل، خرج شاهين من عباءة الدراما التقليدية، وابتكر واقعيته الخاصة، المستلهمة من السينما الإيطالية الجديدة، لكن المشبعة بحس شاعري، وحلمية مقلقة، تتأرجح بين الإيروسية والهشاشة النفسية.
محطة قطارات القاهرة ليست مجرد مكان، بل مسرح داخلي تنكشف عليه رغبات الشخصيات ومخاوفها. شخصية قناوي – التي جسدها شاهين بنفسه – لم تكن مجرد بائع صحف معتلّ نفسيًا، بل صورة رمزية للمخرج ذاته: فنان مرتبك، متلعثم، يبحث عن لغة جديدة وسط سينما تجارية صاخبة.
الفيلم، الذي كتبه عبد الحي أديب ببساطة خادعة، صدم الجمهور وقتها وفشل تجاريًا فشلًا ذريعًا، حتى إن بعض دور العرض تعرّضت للتخريب. لكن الزمن أنصفه، وأصبح اليوم أحد أكثر الأفلام العربية دراسةً وتحليلًا، بوصفه عملًا سبق عصره، وجرؤ على مساءلة الذائقة السائدة.
إسكندرية… لماذا؟ (1978): المدينة بوصفها ذاكرة
وُلد يوسف شاهين في الإسكندرية عام 1926، ولم يغادرها روحيًا أبدًا. في رباعيته الشهيرة، التي بدأت بـ إسكندرية… ليه؟، جعل من المدينة كائنًا حيًا، وذاكرة جماعية، ومساحة تتداخل فيها السيرة الذاتية بالتاريخ السياسي.
الفيلم لا يُروى بخط مستقيم، بل يتفكك ويُعاد تركيبه في شكل دائري، يبدأ بالحلم وينتهي بالحنين. نتابع مراهقًا يحلم بالسينما داخل أسوار كلية فيكتوريا، في زمن الحرب العالمية الثانية، بينما العالم من حوله يتغير بعنف.
شاهين لا يقدّم اعترافًا شخصيًا نقيًا، بل يُخضع ذاته للمساءلة، ويضع علاقته بالسينما، وبالمدينة، وبالهوية، تحت المجهر. الإسكندرية هنا ليست خلفية، بل نصًا مفتوحًا، متعدد الأصوات، يذكّر برباعية لورنس داريل، حيث المكان يُعاد اختراعه مع كل سرد.
أنت حبيبي (1957): الخفة التي لم تُرضِ صاحبها
رغم شهرته كمخرج إشكالي، قدّم شاهين عددًا كبيرًا من الأفلام الغنائية، شكّلت قرابة ثلث إنتاجه. أنت حبيبي، بطولة فريد الأطرش وشادية، يُعد من أكثر هذه الأعمال شعبية.
الفكرة بدأت بنكتة، وسيناريو أبو السعود الإبياري حوّلها إلى واحدة من أكثر الحكايات رشاقة في السينما المصرية، مزدانة بأغانٍ لا تزال عالقة في الذاكرة. ومع ذلك، ظل شاهين غير راضٍ عن الفيلم، وربما عن هذا النوع من السينما الذي أحبّه بصريًا، لكنه لم يشبع قلقه الفكري.
هذا التناقض بين النجاح الجماهيري وعدم الرضا الشخصي سيلازم شاهين طويلًا، ويكشف جانبًا أساسيًا من شخصيته الفنية.
الناصر صلاح الدين (1963): التاريخ بعيون معاصرة
في أفلامه التاريخية القليلة، لم يتعامل شاهين مع الماضي بوصفه حكاية منتهية، بل كمرآة للراهن. الناصر صلاح الدين، ذروة هذه التجربة، قدّم ملحمة بصرية ضخمة، لكن من دون الوقوع في فخ التقديس الأسطوري.
صلاح الدين هنا قائد أخلاقي، إنساني، يرفض الخيانة ويعامل الأسرى بكرامة. خلف السيوف والمعارك، نقرأ بوضوح هواجس المرحلة الناصرية: الوحدة، الخطر الخارجي، ورفض الانقسام الداخلي.
الفيلم لا يحتفي بالبطل الفرد بقدر ما يُبرز الفعل الجماعي، ويمنح شخصيات هامشية – مثل عيسى العوام – ثقلًا رمزيًا، في تأكيد على أن التاريخ تصنعه الشعوب، لا القادة وحدهم.
العصفور (1972): السياسة كجرح مفتوح
في العصفور، بلغ الاشتباك السياسي في سينما شاهين ذروته. الفيلم، الذي جاء في أعقاب هزيمة 1967، لا يقدّم إجابات، بل يطرح أسئلة موجعة حول المسؤولية، والفساد، ودور الإعلام في صناعة الوهم.
المشهد الختامي، حين تصرخ بهية: «لأ، حنحارب!»، بينما يُطلق العصفور من القفص، أصبح أيقونة سينمائية. هنا، يوجّه شاهين نقدًا مزدوجًا: للسلطة التي اختزلت الوطن في شخص، وللمجتمع الذي صمت طويلًا.
الفيلم واجه الرقابة والهجوم، لكنه بقي شاهدًا على شجاعة نادرة في لحظة تاريخية شديدة الحساسية.
الأرض (1969): الواقعية كفعل أخلاقي
على عكس الصورة النمطية عن شاهين بوصفه مخرجًا “نخبويًا”، يأتي الأرض ليدحض هذا الادعاء تمامًا. الفيلم، المقتبس عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي، يُعد من أنقى تجارب الواقعية في السينما العربية.
هنا، تتراجع التجريبية لصالح صوت الجماعة، وتصبح الكاميرا أداة توثيق للمقاومة الريفية ضد الظلم. المشهد الأخير، حين يُسحل أبو سويلم على الأرض دفاعًا عن حقه، لا يزال من أكثر المشاهد إيلامًا وقوة في تاريخ السينما.
إصرار محمود المليجي على تنفيذ المشهد فعليًا، رغم إصابته، منح اللقطة صدقًا جسديًا نادرًا، جعلها تتجاوز حدود التمثيل إلى الشهادة.
سينما لا تهدأ
من بابا أمين إلى هي فوضى، ظل يوسف شاهين مخرجًا قلقًا، لا يستقر على صيغة واحدة، ولا يسعى لإرضاء أحد. اصطدم بالسلطة، وبالجمهور، وأحيانًا بنفسه. نال السعفة الذهبية الشرفية في كان، وواجه اتهامات، ومنع أفلامه، لكنه واصل.
رحل عام 2008، لكن أفلامه لم تدخل الأرشيف بوصفها ماضيًا منتهيًا، بل بقيت حيّة، قابلة لإعادة القراءة، ومفتوحة على أسئلة لم تُحسم بعد.
يوسف شاهين لم يكن “أفضل” مخرج مصري فحسب، بل كان الأكثر جرأة على تحويل السينما إلى مساحة اعتراف، وصراع، وحلم… حتى لو خرج المشاهد من القاعة غاضبًا أو مرتبكًا. وهذا، في حد ذاته، انتصار للفن.
