
رالف فاينس وجاك أوكونيل في جنون سينمائي كامل… نيا داكوستا تقدّم أكثر أجزاء السلسلة وحشيةً وجموحًا
بعد أكثر من عقدين على الفيلم الأصلي 28 Days Later، الذي أعاد تعريف سينما الرعب الحديثة، تعود السلسلة بجزء جديد لا يشبه ما سبقه إلا في جذوره. «28 Years Later: The Bone Temple» ليس مجرد تكملة، بل هو تحوّل جذري في النبرة والطرح، فيلم يغامر بالخروج من منطقة الأمان، ويدفع عالم السلسلة إلى تخوم الفلسفة، والجنون، والطقوس، والرحمة في زمن لم يعد يعرف أيًّا منها.
الفيلم، من إخراج نيا داكوستا وسيناريو أليكس جارلاند، عمل صادم، فوضوي، مفرط، وأحيانًا مذهل. قد لا يكون متماسكًا دائمًا، لكنه بلا شك واحد من أكثر أفلام الرعب جرأةً وإثارة للنقاش في السنوات الأخيرة.
عالم تخلّى عنه الجميع
تدور أحداث الفيلم في مستقبل قريب كئيب، حيث قرّر العالم ببساطة أن يتجاوز بريطانيا. بعد فشل احتواء فيروس “الغضب”، اختارت أوروبا عزل الجزر البريطانية وتركها لمصيرها. لا محاولات إنقاذ، لا أبحاث دولية، ولا اهتمام أخلاقي. الأرض التي كانت يومًا “خضراء ووديعة” أصبحت ساحة دم مفتوحة، بينما واصل العالم حياته وكأن شيئًا لم يكن.
هذه الفكرة، رغم بساطتها، من أكثر عناصر الفيلم قسوة. فالنهاية هنا ليست انفجارًا أو فناءً شاملًا، بل تخلٍّ متعمّد. الحضارة لا تنهار، بل تدير ظهرها.
وسط هذا الخراب، يعود إلينا سبايك (ألفي ويليامز)، الشاب الذي شاهدناه في الجزء السابق وهو يغادر مجتمع طفولته الآمن بحثًا عن معنى وطريق خاص به. الآن، وقد أصبح أكبر سنًا وأكثر صلابة، لا يزال سبايك ممزقًا بين الرغبة في النجاة والاشمئزاز من العنف الذي بات ضرورة يومية.
ألفي ويليامز يقدّم أداءً ناضجًا، يجعل من سبايك مرآة أخلاقية للمشاهد: شاب لا يريد أن يكون وحشًا، لكنه يعيش في عالم لا ينجو فيه إلا الوحوش.
معبد العظام: حين يتحول العلم إلى طقس
الدخول الحقيقي للفيلم يبدأ مع ظهور شخصية الدكتور إيان كيلسون، التي يؤديها رالف فاينس في واحد من أكثر أدواره تطرفًا وإبهارًا. كيلسون طبيب وناجٍ، رجل علم وملحد معلن، لكنه في الوقت ذاته بنى لنفسه معبدًا كاملاً من عظام البشر.
ليس المعبد مجرد ديكور صادم، بل بيان فكري. كيلسون حوّل الموت إلى فن، والجثث إلى نصب، واليأس إلى عرض مسرحي. حين يصرخ بجملته الشهيرة:
“الكبرياء يتحرك داخلي مثل الديدان في جثة المسيح!”
فهو لا يبحث عن الصدمة فقط، بل يعلن فلسفة الفيلم بأكملها.
فاينس يبدو هنا ككائن خرج من أسطورة سوداء: جسد هزيل، نظرة متوحشة، وصوت مثقف لم تفقده العزلة نبرته الأرستقراطية. رجل يستمع إلى Iron Maiden وDuran Duran وRadiohead على أسطوانات فينيل، تُدار بمولّد يدوي، وكأن نهاية العالم كانت بالنسبة له فرصة لصناعة قائمة موسيقية مثالية.
إنه أداء مذهل، يجمع بين الرعب والسخرية والشفقة، ويمنح الفيلم ثقله الحقيقي.
المصاب… كائن يمكن إنقاذه؟
في تحول جريء عن الأجزاء السابقة، يطرح الفيلم سؤالًا كان محرّمًا في السلسلة:
هل المصابون ما زالوا بشرًا؟
كيلسون يركّز أبحاثه على أحد “الآلفا”، مخلوق مصاب يُدعى سامسون، يؤديه مجددًا تشي لويس-باري بجسد هائل وحضور مرعب. لكن بدل قتله، يستخدم كيلسون سهام مورفين لتهدئته، محاولًا التواصل معه، اختبار ذاكرته، لغته، وربما إنسانيته المدفونة.
العلاقة بين الطبيب والمصاب من أغرب وأكثر خطوط الفيلم تأثيرًا. هناك لحظات شبه ودّية، تكاد تكون ساخرة، لكنها تحمل حزنًا عميقًا. حين يسأل كيلسون سامسون بهدوء:
“هل أمنحك السلام… أم فرصة أخرى؟”
يدرك المشاهد أن الفيلم تجاوز الرعب التقليدي إلى منطقة أخلاقية خطرة.
هذا التعاطف مع “الوحش” لم تعرفه السلسلة من قبل، وهو ما يجعل الفيلم مثيرًا للانقسام، لكنه أيضًا يمنحه تميّزه.
عبادة الشيطان… حين يصبح البشر أخطر من الفيروس
في منتصف الفيلم تقريبًا، ينحرف المسار فجأة نحو رعب مختلف تمامًا. يظهر سير لورد جيمي كريستال (جاك أوكونيل)، زعيم جماعة من الشبان الساديين الذين يعبدون الشيطان، أو ما يسمّونه “أولد نِك”.
جيمي شخصية لا تُنسى: شعر أشقر طويل، تاج على الرأس، بدلة رياضية مليئة بالإكسسوارات، وكاريزما قاتلة. أتباعه يُسمّون “الأصابع”، وكلهم يُدعون جيمي، ويرتدون شعورًا مستعارة متطابقة. المشهد يبدو عبثيًا في البداية، لكنه سرعان ما يتحول إلى كابوس.
هذه الجماعة تقتل المصابين للمتعة، لا للدفاع عن النفس، وتعتبر تعذيب غير المصابين “صدقة” وطقسًا مقدسًا. هنا، يتحوّل الرعب من وباء خارجي إلى شر بشري خالص.
جاك أوكونيل يقدّم أداءً مرعبًا، زعيم طائفة مقنع، متغطرس، ومؤمن بجنونه. إنه الوجه الآخر للدكتور كيلسون: كلاهما يصنع معنى من الموت، لكن أحدهما يبحث عن علاج، والآخر عن سلطة.
سبايك بين الرحمة والنجاة
ينضم سبايك إلى الجماعة بعد اختبار دموي، لكنه لا يحتمل وحشيتهم. ملاذه الوحيد هو جيمي إنك (إيرين كيليمان)، شابة جُنّدت طفلة، لكنها نضجت بما يكفي لترى زيف خطاب الزعيم.
حين تبدأ الجماعة في سلخ عائلة مزارعين أحياء ضمن طقس “خيري”، يصل الفيلم إلى ذروته الأخلاقية. هنا، لا يعود السؤال عن النجاة، بل عن الثمن.
فوضى واعية… أم إفراط بلا ضابط؟
هل الفيلم متماسك؟ ليس دائمًا.
هل هو مفرط؟ بالتأكيد.
لكن هل هو فارغ؟ أبدًا.
نيا داكوستا تُخرج الفيلم بثقة مخرجة تعرف أنها تسير على حافة الانهيار، لكنها لا تخشى السقوط. الانتقالات حادة، النبرة تتقلب بين الرعب، السخرية، الفلسفة، وحتى الكوميديا السوداء. أليكس جارلاند يحمّل النص أفكارًا أكثر مما يحتمل أحيانًا، لكن الأفكار نفسها تستحق المخاطرة.
أداءات تنقذ الجنون
رالف فاينس هو عمود الفيلم الفقري، بلا منازع. أداء متوحش، مثقف، ومؤلم.
جاك أوكونيل يبرع في لعب دور القائد المريض بالسلطة.
ألفي ويليامز يمنح الفيلم قلبه الأخلاقي.
وتشي لويس-باري، بجسده وحده، يذكّرنا بجذور الرعب الأولى للسلسلة.
الخلاصة: تجربة قاسية… لكنها ضرورية
«28 Years Later: The Bone Temple» ليس فيلمًا مريحًا، ولا يسعى لإرضاء الجميع. إنه عمل صادم، جريء، ومليء بالمخاطر. قد ينفر محبي الجزء الأول، لكنه يوسّع حدود ما يمكن أن تكون عليه سلسلة رعب طويلة العمر.
في زمن تكرار الأفكار، يختار هذا الفيلم الجنون.
وفي ذلك، تكمن قوته الحقيقية.
فيلم يربكك، يستفزك، وربما يرهقك… لكنه لا يتركك أبدًا بلا أثر.
