
هناك نوع معيّن من الأعمال التلفزيونية يبدو وكأنه صُمّم خصيصاً لفترة بداية العام: مسلسلات مشوّقة، أنيقة، سريعة الإيقاع، لا تتطلب تركيزاً ذهنياً مرهقاً، لكنها في الوقت نفسه تمنح المشاهد شعوراً مرضياً بالانغماس والتشويق. مسلسل His & Hers ينتمي تماماً إلى هذه الفئة. إنه عمل يعرف قواعده جيداً، ويلتزم بها بذكاء، مقدّماً تجربة مشاهدة «ناعمة» ومسلّية، مثالية لأيام يناير الباردة.
المسلسل هو اقتباس من رواية أليس فيني الأكثر مبيعاً الصادرة عام 2020، ويقع في ست حلقات فقط، ما يجعله مثالياً للمشاهدة المتواصلة. منذ الدقائق الأولى، يعلن His & Hers نواياه بوضوح: نحن أمام إثارة نفسية لامعة، مليئة بالتحولات والشكوك، لا تهدف إلى إعادة اختراع النوع، بل إلى تقديمه بأكثر صورة جذابة وسلسة ممكنة.
جريمة واحدة… وروايتان متناقضتان
يفتتح المسلسل بمشهد صادم: امرأة تنزف وتحتضر فوق غطاء سيارة متوقفة في عمق غابة. بعد ذلك مباشرة، ننتقل إلى امرأة أخرى تعود إلى منزلها وهي مغطاة بالدماء، ترتجف خوفاً، وتبدأ في تنظيف يديها بشكل هستيري، قبل أن تمحو كل ما يمكن أن يربطها بما حدث.
ثم يأتي التعليق الصوتي الأنثوي الذي يضع الأساس الفلسفي – أو ما يبدو كذلك – للعمل:
«هناك دائماً جانبان لكل قصة… ما يعني أن أحدهم يكذب دائماً».
العبارة، منطقياً، غير دقيقة، لكنها درامياً مثالية. والأهم أنها تطمئن المشاهد بأن هذا المسلسل يعرف كيف يخلق أجواء الغموض حتى لو على حساب الدقة الفكرية.
من هذه اللحظة، يتضح أن His & Hers لا يطلب من جمهوره التفكير بعمق أو تحليل نفسي معقّد، بل يدعوه إلى الاسترخاء والاستمتاع بالرحلة. وإذا كنت من محبي محاولة حل اللغز قبل الشخصيات، فالمسلسل يوفر لك ما يكفي من الطُعم والالتواءات لتجربة ممتعة – أما إن كنت تفضّل ترك الأمور تتكشف وحدها، فستكون التجربة أسهل وأكثر سلاسة.
شخصيتان في قلب العاصفة
في مركز الأحداث نجد شخصيتين رئيسيتين، يؤديهما ممثلان من الصف الأول:
جون بيرنثال يجسّد شخصية المحقق «جاك هاربر»، رجل شرطة في بلدة صغيرة، يتولى التحقيق في جريمة القتل. بيرنثال، المعروف بأدواره المكثفة في The Bear وWe Own This City، يمنح الشخصية ثِقلاً مناسباً: رجل صلب، مشحون بالغضب المكبوت، ويبدو أنه يخفي أكثر مما يُظهر.
في الجهة الأخرى تقف تيسا طومسون بدور «آنا»، مذيعة أخبار سابقة ذات شخصية حادة وطموحة. آنا فقدت مكانتها المهنية بعد وفاة طفلها، لتُستبدل بزميلة أصغر سناً وأكثر «قابلية للتسويق». حين تقع الجريمة في بلدتها الأصلية، ترى فيها فرصة ذهبية للعودة إلى الواجهة الإعلامية، حتى لو تطلب الأمر نبش جراح قديمة.
العلاقة بين جاك وآنا هي العمود الفقري للمسلسل، ليس فقط بسبب ارتباطهما بالقضية، بل لأنهما – كما يكشف المسلسل مبكراً – زوجان منفصلان. هذا الكشف يضيف طبقة شخصية متوترة إلى التحقيق، ويحوّل الجريمة من مجرد لغز بوليسي إلى ساحة صراع عاطفي قديم.
آنا: طموح بلا اعتذار
شخصية آنا هي الأكثر إثارة للجدل في المسلسل. إنها ذكية، باردة، وأنانية إلى حدّ بعيد. حزنها على طفلها الراحل موجود، لكنه لا يُقدَّم كرحلة داخلية عميقة بقدر ما يُستخدم كمحرّك درامي يبرر اندفاعها المهني وسلوكها الأخلاقي الملتبس.
تأخذ آنا معها مصوّر القناة، «ريتشارد» (بابلو شرايبر)، وهو زوج منافستها المهنية. العلاقة بينهما تبدأ كتحالف عملي، لكنها سرعان ما تنزلق إلى علاقة شخصية مشحونة بالسلطة، الغيرة، والانتقام الطبقي. آنا لا تخفي استمتاعها بتقويض زواج ريتشارد أو زعزعة صورته كرجل يعيش في ظل زوجته الناجحة.
ومن المهم أن المسلسل لا يحاول جعل آنا «محبوبة». إنها شخصية معيبة بوضوح، وهذا ما يجعلها مثيرة للاهتمام. تيسا طومسون تؤدي الدور ببرود محسوب، يمنح الشخصية كاريزما حادة دون أن يطلب تعاطف المشاهد.
الضحية… ليست بريئة تماماً
المرأة المقتولة هي «راشيل هوبكنز»، التي تؤديها جيمي تيسديل في الحاضر، وإيزابيل كوسمان في مشاهد المراهقة. ومن خلال الاسترجاعات، يتضح أن راشيل لم تكن شخصية محبوبة في حياتها.
بل على العكس، تُقدَّم كواحدة من «أقسى الفتيات» في المدرسة، امرأة سامة اجتماعياً، بارعة في الإذلال والتلاعب. أحد أكثر المشاهد قسوة في الماضي يُظهر آنا الشابة وهي تشاهد راشيل تجبر فتاة أخرى على شرب كأس من البول – مشهد صادم، لكنه كاشف لطبيعة العلاقات السامة التي شكّلت هذه الشخصيات.
هذا التقديم يجعل المسلسل حذراً من الوقوع في فخ «الضحية المثالية». الجميع هنا لديه ماضٍ مظلم، والجريمة تبدو – منذ البداية – نتيجة شبكة معقدة من الكراهية والضغائن القديمة.
قائمة مشتبه بهم تتسع باستمرار
مع تقدّم الحلقات، تتكاثر الشخصيات المشتبه بها بوتيرة مدروسة. آنا نفسها تقع تحت دائرة الشك، خاصة بعد أن نراها تعود إلى منزلها مغطاة بالدماء في الحلقة الأولى. ثم يأتي دور جاك، الذي يرفض بشكل مريب الخضوع لمسحة الحمض النووي المطلوبة من جميع الضباط الذين تعاملوا مع مسرح الجريمة.
هناك أيضاً زوج الضحية «كلايد» (كريس باور)، رجل يبدو منكسراً، لكنه يطلق جملاً من نوع:
«كان لديها طابع مرتزق وجدته مغرياً»
وهي جملة لا تنجح إلا لأن ممثلاً مخضرماً مثل باور قادر على قولها دون أن ينهار البناء الدرامي كله.
تضاف إلى ذلك شبكة من العلاقات الثانوية: صديقات المدرسة القديمات، شقيقة جاك المدمنة على الكحول «زوي» (مارين آيرلاند)، وأم آنا المسنّة، التي تعاني من تدهور ذهني تدريجي.
الذاكرة كأداة درامية مألوفة
استخدام الخرف أو فقدان الذاكرة كأداة لكشف أسرار الماضي أصبح شبه تقليد في أعمال الإثارة، وHis & Hers يقترب من هذا الفخ دون أن يقع فيه بالكامل. أم آنا، التي لا تزال تحت رعاية جاك رغم انفصالهما، تبدو وكأنها تحمل مفاتيح مهمة لأحداث قديمة، لكن المسلسل يتعامل مع هذا الخط بحذر نسبي.
يبقى السؤال مطروحاً حتى الحلقات الأخيرة: هل سيستسهل العمل اللجوء إلى «ذاكرة مثقوبة تكشف الحقيقة في اللحظة المناسبة»؟ دون حرق للأحداث، يمكن القول إن المسلسل يوازن بين الراحة السردية وعدم الإفراط في هذا الحل.
إثارة سهلة… وممتعة
من حيث الكتابة، السيناريو يؤدي وظيفته بكفاءة دون ابتكار لغوي لافت. الحوار مباشر، أحياناً حاد، وأحياناً تقليدي، لكنه لا يخرج عن السياق. قوة المسلسل لا تكمن في عمق النص، بل في إيقاعه، وأداء ممثليه، وقدرته على إبقاء المشاهد في حالة ترقّب مستمرة.
الالتواءات كثيرة، وبعضها عبثي إلى حدّ ما، لكن هذا جزء من المتعة. His & Hers لا يدّعي الواقعية المطلقة، بل يقدّم عالماً درامياً مصقولاً، حيث كل شيء أكبر بقليل من الحياة، وأكثر ترتيباً مما ينبغي – وهذا بالضبط ما يجعله مناسباً للمشاهدة الجماعية أو الفردية في بداية العام.
الخلاصة
His & Hers ليس مسلسلاً ثورياً، ولا يحاول أن يكون كذلك. إنه عمل إثارة أنيق، سريع، ومُرضٍ، يعرف جمهوره جيداً ويمنحه ما يريد: لغز مشوّق، شخصيات معيبة، علاقات معقدة، ونهاية تدفعك لمشاهدة حلقة إضافية «واحدة أخيرة».
في مطلع العام، حين لا نكون مستعدين بعد لأعمال ثقيلة أو مرهقة عاطفياً، يبدو هذا النوع من «الراحة التلفزيونية» مثالياً.
His & Hers هو مسلسل يمكن مشاهدته بلا شعور بالذنب، وبلا حاجة لتحليل طويل… وهذا، أحياناً، أكثر من كافٍ.
