
وسط زخم أفلام موسم رأس السنة وبداية عام 2024، ظهر فيلم «الحريفة» ليصنع حالة جماهيرية خاصة، ويرسّخ حضوره كأحد أبرز الأعمال السينمائية ذات الطابع الشبابي الرياضي. لم يكن الفيلم مجرد عمل جديد يُضاف إلى قائمة الإنتاج، بل شكل تجربة مختلفة، فيها من روح الشارع، ونبض الملاعب، وقضايا المراهقين، وتقاطعات الحياة الاجتماعية، ما جذب إليه جمهورًا واسعًا منذ عرضه الأول في دور السينما المصرية يوم 4 يناير 2024، قبل أن يمتد إلى دور العرض العربية في 11 يناير من العام نفسه.
جاء الفيلم من تأليف إياد صالح، وإخراج رؤوف السيد، في إطار يمزج بين الدراما الشبابية واللمسة الكوميدية الخفيفة، مع الاعتماد على عالم كرة القدم كخلفية رئيسية تدور عليها الأحداث، ليحجز مكانه سريعًا بين أكثر الأفلام تحقيقًا للإيرادات في عام 2024.
فكرة الفيلم… من ملعب الكرة إلى ملعب الحياة
تدور قصة «الحريفة» حول ماجد، الذي يجسد دوره نور النبوي، شاب موهوب في كرة القدم ينتمي إلى طبقة اجتماعية ميسورة. تفرض الظروف عليه ترك مدرسته الدولية التي تعوّد عليها، لينتقل فجأة إلى مدرسة حكومية. هذا الانتقال ليس مجرد تغيير مؤسسي، بل صدمة اجتماعية كاملة تُخرجه من عالمه المغلق، وتضعه في مواجهة نماذج بشرية مختلفة تمامًا.
في المدرسة الجديدة، يلتقي ماجد بزملاء من بيئات متنوعة، بينهم من يكافح للحفاظ على حلمه، ومن يحمل مواهب دفنتها الظروف، ومن يعيش صراعًا يوميًا مع الواقع. كل ذلك يُعد مقدمة لمسار اجتماعي ورياضي ثري، يسلّط الضوء على معنى الاحتراف — أو «الحريفة» — ليس فقط في اللعب، ولكن أيضًا في مواجهة الحياة.
الفيلم لا يكتفي بتقديم مباراة كرة قدم، بل يقدم مباراة حياة، تكون نهاياتها مرهونة بقدرة الأبطال على التكيّف، والتمسك بالأمل، والتعامل مع الفوارق الطبقية التي تشكل جزءًا مهمًا من البناء الدرامي.
بطولة جماعية تعكس روح الفيلم
تنتمي «الحريفة» إلى نوعية الأفلام التي تعتمد على البطولة الجماعية، رغم أن الشخصية المحورية هي شخصية ماجد. إذ يضم العمل مجموعة واسعة من الممثلين الشباب الذين شكلوا معًا صورة أقرب إلى فريق كرة قدم حقيقي، كل منهم صاحب دور، ومكان في الملعب، وتأثير في الأحداث.
أبطال الفيلم
- نور النبوي في دور ماجد، الشاب الموهوب الذي يمثل نقطة انطلاق الأحداث.
- أحمد غزي في دور ششتاوي، أحد أبرز الشخصيات التي تعكس روح الشارع.
- أحمد خالد خميس في دور أحمد حمدي (حته).
- نور إيهاب في دور لانا، إحدى الشخصيات النسائية المميزة.
- ريما مصطفى في دور ميار.
- عبد الرحمن محمد في دور عمر.
- خالد الذهبي في دور النص.
- سليم هاني في دور كريم.
- يوسف عمر في دور بسام.
ويشاركهم عدد من الفنانين الكبار الذين أضاف وجودهم ثقلًا دراميًا، مثل:
- فراس سعيد في دور والد ماجد.
- ليلى عز العرب في دور جدة ماجد.
- بيومي فؤاد في دور معلق كروي، في حضور يتماشى مع شخصيته المحببة للجمهور.
- شريف دسوقي في دور مدير المدرسة.
كما يظهر في العمل عدد كبير من ضيوف الشرف الرياضيين، في خطوة أثرت الفيلم وأعطته مصداقية كروية واضحة، بينهم:
- أحمد حسام ميدو في دور محمد شلش.
- جمال حمزة، عبد الستار صبري، تامر بجاتو، أمير عبد الحميد.
- ومشاهير من الـ«تيك توك» مثل شبيه صلاح وماني، ليعكس الفيلم روح العصر وارتباطه بالجيل الجديد.
هذه التوليفة الكبيرة من الوجوه الشابة والمعروفة صنعت نسيجًا متماسكًا يتناغم مع قصة الفيلم، وخصوصًا أنه يدور حول فريق، ومجتمع كامل يتداخل فيه الكبار والصغار.
رغم المنافسة… «الحريفة» يفرض نفسه في موسم مزدحم
جاء طرح الفيلم ضمن موسم أفلام رأس السنة، وهو موسم معروف بشدة المنافسة. في الوقت ذاته، كان هناك فيلمان آخران يشارك فيهما الفنان بيومي فؤاد هما «الإسكندراني»، و«أنا وابن خالتي». وعلى الرغم من هذا الزخم، استطاع «الحريفة» أن يلفت الأنظار، وأن يحقق حضورًا قويًا بين الأعمال المعروضة.
وما زاد من نجاح الفيلم هو أنه استطاع أن يمزج بين روح العصر، وطاقة الشباب، والعلاقة المتينة التي تجمع الجمهور المصري بكرة القدم، لتتحول كل مباراة داخل الفيلم إلى مشهد ينتظره المشاهد بشغف، ليس فقط لمتابعة الحركة، ولكن أيضًا لمتابعة تطور العلاقات بين الأبطال.
شخصيات متعددة… وصراعات تتجاوز كرة القدم
ميزة الفيلم أنه لا يصنع قصة عن كرة القدم فحسب، بل يوظف اللعبة لتصبح مرآة للصراع الاجتماعي والطبقي والنفسي. فشخصية ماجد مثلًا تعكس أزمة الهوية، وانتقاله من بيئة لأخرى يطرح أسئلة عن معنى الانتماء، وكيف تتشكّل شخصية الإنسان حين يفقد مساحة الراحة التي اعتادها.
بينما شخصية ششتاوي تمثل الوجه الآخر للموهبة المكافحة، تلك التي تنشأ في ظروف صعبة ولا تجد من يتبناها. كما يعكس زملاء ماجد في المدرسة الحكومية التنوع المصري الحقيقي، بكل طبقاته وفوارقه، وما يحمله الشباب من طموحات تصطدم أحيانًا بقلة الموارد، وأحيانًا أخرى بنظرة المجتمع.
كما أن دور لانا وميار وظهور الشخصيات النسائية في الفيلم لم يكن مجرد إضافة جمالية، بل حمَل حضورًا فعّالًا كشف الكثير من طبقات المجتمع المدرسي الذي صوره الفيلم بدقة.
«الحريفة»… ما بين الواقعية والدراما
رغم أن العمل يصنف ضمن الأفلام الشبابية الرياضية، إلا أن صياغته الدرامية تتجه إلى الواقعية، خصوصًا من حيث:
- تصوير المدارس الحكومية بعفوية غير مصطنعة.
- تجسيد العلاقات بين الطلبة بعيدًا عن المبالغات.
- تقديم كرة القدم بروح الشارع لا بروح الملاعب الرسمية.
- التركيز على الحوارات الطبيعية التي تشبه جلسات الشباب في مصر.
وفي الوقت ذاته، كان للفيلم جرعته الدرامية المشوقة التي حافظت على توازن العمل بين الواقعية والتشويق. وهذا التوازن كان أحد أهم أسباب نجاح الفيلم جماهيريًا.
مشاركة الرياضيين… إضافة صنعت الفارق
أحد عناصر قوة الفيلم هو مشاركة رياضيين معروفين، مثل ميدو وجمال حمزة وعبد الستار صبري، وهو ما أضفى على الفيلم مصداقية كبيرة لدى عشاق الكرة. ظهورهم لم يكن مجرد فاصل تكريمي، بل جاء في سياق درامي يناسب أدوارهم، ويجعل وجودهم جزءًا من العالم الذي يجري داخل الفيلم.
كما أن ظهور شهيرَي تيك توك «شبيه صلاح وماني» يعكس توجه الفيلم نحو شباب العصر الرقمي، وحرصه على مخاطبة الجيل الجديد بلغة قريبة منهم.
الإيرادات… من النجاح العادي إلى الظاهرة
حقق «الحريفة» إيرادات بلغت 74,341,000 جنيه مصري خلال 17 أسبوعًا — وهو رقم ضخم في سوق السينما المصرية، خصوصًا لفيلم شبابي رياضي. هذا النجاح وضع الفيلم ضمن قائمة أعلى الأفلام دخلًا في مصر لعام 2024، وأثبت أن الموضوع الرياضي لا يزال قادرًا على جذب الجمهور حين يُصاغ بذكاء.
ورغم النجاح الجماهيري الكبير، رُفع الفيلم من دور العرض في بداية مايو 2024، بعد أن أكمل رحلته محققًا ما يشبه الظاهرة، خاصة لدى فئة الشباب.
لماذا أحب الجمهور «الحريفة»؟
هناك عدة أسباب جعلت الفيلم يحظى بهذا الإقبال، من بينها:
1. قصة قريبة من الشباب
الفيلم يتناول انتقال شاب ميسور إلى مدرسة حكومية، وهو موضوع يلمس الفوارق الطبقية التي يعرفها المجتمع جيدًا.
2. الطابع الكروي
كرة القدم جزء أساسي من الثقافة المصرية، ولذا وجد الجمهور في الفيلم لغة قريبة من قلبه.
3. حضور نجوم شباب
ظهور وجوه كثيرة من الجيل الجديد جذب الفئة العمرية الأصغر، التي تمثل جزءًا كبيرًا من جمهور السينما اليوم.
4. اللمسة الكوميدية
وجود بيومي فؤاد تحديدًا ساهم في تخفيف حدة الدراما ومنح الفيلم نكهة محببة.
5. المؤثرات الواقعية
من مشاهد الملعب إلى حوارات الشارع، حافظ الفيلم على نبرة حقيقية جعلت الجمهور يشعر بأن الأحداث تدور في حارته ومدرسته.
رؤوف السيد… رؤية إخراجية تتناغم مع روح الفيلم
تفوق المخرج رؤوف السيد في إدارة مجموعة كبيرة من الممثلين الشباب، وفي ضبط إيقاع العمل بحيث لا يطغى المشهد الرياضي على الدرامي، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر. قدرته على خلق جو مشابه لمباريات الحواري كان لافتًا، وكذلك تقديم لحظات إنسانية مؤثرة دون مبالغة.
فيلم شبابي… للكل
رغم أن «الحريفة» يستهدف في الأساس فئة المراهقين والشباب، إلا أنه قدّم مادة سينمائية جذبت الأسرة كاملة. آباء وأمهات تابعوا الفيلم لأنه يذكّرهم بقضايا أبنائهم، وشباب تابعوه لأنه يحكي عنهم، ومحبو الكرة تابعوه لأنهم وجدوا فيه رياضتهم المفضلة على الشاشة.
خاتمة: «الحريفة»… فيلم يرسّخ مكانته كعلامة في سينما 2024
نجح «الحريفة» في أن يكون أكثر من مجرد فيلم شبابي أو رياضي. هو عمل يحكي عن مجتمع كامل، وعلاقات إنسانية، وصراع طبقي، وأحلام شباب يبحثون عن الفرصة وسط عالم مليء بالتحديات.
هو فيلم مُلهِم لجيل جديد، ومرآة لواقع اجتماعي يتغير بسرعة، وتجربة سينمائية أثبتت أن قصص الشارع والمدرسة والملعب قادرة على أن تصل إلى ملايين المشاهدين إذا قُدّمت بصدق وإحساس.
بأداء قوي، وطاقم عمل متنوع، وإخراج متماسك، استطاع «الحريفة» أن يخطف الأضواء، وأن يحجز لنفسه مكانًا في ذاكرة السينما المصرية لعام 2024، ليبقى مثالًا على نجاح السينما التي تنبع من الناس وتعود إليهم.
