
في الوقت الذي كانت فيه أسرة فيلم «حرام الجسد» تستعد لانطلاقة قوية مع بداية التصوير، ضربت الكواليس موجة مفاجئة من الارتباك بعد إعلان الفنانة حورية فرغلي انسحابها غير المتوقع من العمل، وذلك بعد أيام قليلة فقط من انطلاق التصوير. قرار بدا صادمًا لفريق الفيلم، خصوصًا أن الدور كُتب خصيصًا ليُبنى عليه ثقل العمل الدرامي، وأن فرغلي كانت قد أبدت حماسًا كبيرًا قبل بدء التصوير.
هذا الحدث المفاجئ لم يكن مجرد تبدّل في طاقم الممثلين، بل كان نقطة تحوّل أحدثت تساؤلات عديدة حول أسباب الانسحاب، وتداعياته على مسار الفيلم، بل وعلى مستقبل الأعمال السينمائية التي تناقش قضايا تحمل حساسية فكرية واجتماعية مثل تلك التي يتناولها «حرام الجسد».
فيلم يبحث في رغبات الإنسان التي تتجاوز الجسد
على الرغم من أن عنوان الفيلم «حرام الجسد» قد يُوحي للوهلة الأولى بأن العمل يقترب من موضوعات جسدية صريحة أو محظورات اجتماعية مرتبطة بالجنس، إلا أن الفكرة الأساسية للعمل، بحسب مصادر من داخل فريق الإنتاج، أعمق وأكثر فلسفية. فالفيلم يقارب علاقة الإنسان برغباته الداخلية، ويطرح تساؤلات تتجاوز المعنى الحرفي للجسد لتلامس جوهر النفس البشرية وصراعها مع الطموح، السلطة، السيطرة، والسعي للثروة.
المخرج والمؤلف خالد الحجر، المعروف بقدرته على تقديم أعمال تمزج الواقعية بالبعد الإنساني العميق، أراد من خلال هذا العمل أن يقدّم قراءة مختلفة للرغبات. فليس المقصود الرغبة الجسدية بمفهومها المباشر فقط، بل «رغبة الامتلاك»، «رغبة الهيمنة»، و«الهوس بالسيطرة على الآخرين»، وهي مفاهيم تتعدد صورها داخل المجتمع الحديث.
وقد عمل الحجر خلال التحضير للعمل على تقديم شخصيات متداخلة ومعقّدة، تعيش صراعًا بين القيم من جهة، وبين كل ما تستثيره الحياة من إغراءات نفسية ومادية من جهة أخرى. ولهذا السبب كان اختيار الممثلين يتم بدقة شديدة، نظرًا لأن كل دور يُعد ركنًا أساسيًا في التركيبة الدرامية.
انسحاب مفاجئ يهزّ ثقة فريق العمل
جاء قرار انسحاب حورية فرغلي بمثابة صدمة لأسرة الفيلم. فبعد أن تجاوزوا مرحلة التحضير الطويلة، ودخلوا فعليًا في التصوير، لم يكن أحد يتوقّع أن يحدث مثل هذا التحوّل في اللحظات الأولى للعمل. ورغم أن المعلومات الرسمية حول أسباب الانسحاب لم تُعلن بشكل واضح، اكتفت المصادر بالتأكيد على أن القرار جاء «لأسباب خاصة»، دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
لكن داخل كواليس الوسط الفني، بدأت الأسئلة تتردد:
هل الأمر مرتبط بطبيعة الدور؟
هل واجهت حورية فرغلي ضغوطًا حول موضوع الفيلم؟
أم أن ارتباطاتها الفنية الأخرى كان لها تأثير مباشر؟
من المعروف أن فرغلي كانت تعيش في تلك الفترة حالة من النشاط الفني المتصاعد، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققه مسلسل «ساحرة الجنوب»، والذي لا يزال يُعرض آنذاك على شاشة «MBC» محققًا نسب مشاهدة عالية. المسلسل منحها دفعة قوية في مسيرتها، وجعلها في دائرة الضوء مجددًا بعد فترات من التراجع بسبب ظروف شخصية وصحية مرت بها في سنوات سابقة.
وقد يكون من الطبيعي أن يؤثر نجاح عمل ضخم مثل «ساحرة الجنوب» على قراراتها الفنية اللاحقة، وربما يدفعها لإعادة التفكير في خياراتها، حرصًا على الحفاظ على صورتها الجديدة أمام الجمهور، أو رغبة منها في اختيار أدوار تتماشى مع ما حققته من تفاعل جماهيري.
الأبطال الباقون يتحملون عبء الارتباك
الفيلم يضم مجموعة من الأسماء المميزة، بينهم:
- أحمد عبدالله محمود
- أحمد كمال
- محمود البزاوي
- سلوى محمد علي
وهي أسماء قادرة بالفعل على حمل عمل سينمائي قوي، لكن غياب نجمة رئيسية كانت محورًا أساسيًا في الأحداث وضع طاقم الفيلم أمام تحديات كبيرة.
فحسب مصادر من داخل التصوير، ظهر الارتباك واضحًا على ملامح الفريق خلال الأيام الأولى بعد إعلان الانسحاب، خصوصًا أن الجدول الزمني للتصوير كان ضيقًا، وأن تأخير العمل قد يهدد موعد عرضه المخطط له.
كان على المخرج خالد الحجر أن يعيد تقييم الموقف سريعًا:
هل سيتم البحث عن بديلة؟
هل تعاد كتابة بعض المشاهد؟
هل يمكن الاستمرار دون التأثير على جودة العمل؟
وهي أسئلة تحتاج إلى قرارات حساسة ودقيقة، لأن أي تصرف غير مدروس قد يؤثر على مستوى الفيلم من جهة، أو على علاقته مع النجوم المشاركين من جهة أخرى.
رغبات الإنسان… الفكرة التي أصبحت محور نقاش واسع
تأتي أزمة الفيلم في وقت يناقش فيه الشارع الفني قضية مهمة: هل ما زال الجمهور يتقبل الأفلام التي تطرح قضايا إنسانية حساسة، أم أن السينما العربية أصبحت أكثر ميلاً للمواضيع الخفيفة أو التجارية؟.
فيلم «حرام الجسد» أراد أن يخوض منطقة فكرية تتعلق بتركيبة الإنسان الداخلية، وهي منطقة حساسة أحيانًا سواء من الناحية الفنية أو الاجتماعية. فحين يُقدَّم عمل يناقش الرغبات الإنسانية، يتم غالبًا تحميله أكثر مما يحتمل، وقد يواجه سوء فهم أو تفسيرًا سطحيًا، وهو ما قد يضع الفنانين المشاركين تحت ضغط مضاعف.
وبالنظر إلى طبيعة الدور الذي كانت ستقدمه حورية فرغلي، فمن المحتمل أن تكون بعض التفاصيل الدرامية قد تسببت لها في حيرة أو توتر، خاصة أنها كانت تبحث بعد نجاح «ساحرة الجنوب» عن أعمال تثبت صعودها الفني وتناسب مسارها الجديد.
تأثير النجاح الكبير لـ«ساحرة الجنوب»
لا يمكن فصل انسحاب فرغلي عن التأثير العميق لمسلسل «ساحرة الجنوب» على مسيرتها. فالمسلسل أعادها بقوة إلى الساحة الفنية بعد سنوات صعبة مرت بها، سواء على مستوى حياتها الخاصة أو أعمالها الفنية. وبدأ الجمهور يتفاعل معها مجددًا، ويعيد اكتشاف موهبتها بعيدًا عن الأدوار النمطية التي حصرتها فيها بعض الأعمال السابقة.
نجاح المسلسل جعلها محط أنظار، ومن الطبيعي أن تدرك أن أي عمل ستقدمه لاحقًا سيخضع لمقارنات واسعة، وربما لن تُقبل بسهولة على دور قد يثير جدلًا لا يخدم صورتها الحالية.
ومن هنا، قد يكون قرار التخلي عن الدور في «حرام الجسد» محاولة لحماية نفسها من الدخول في منطقة درامية قد تُفهم بشكل خاطئ أو تتسبب في ضجة إعلامية غير محسوبة، خاصة أن جمهورها أصبح أوسع وأكثر تنوعًا بفضل المسلسل.
الصراع بين الفن والواقع
قصة الفيلم ذاتها—عن سيطرة الرغبات النفسية على سلوك الإنسان—تكاد تشبه الصراع الذي يحدث الآن في الكواليس. فكما يناقش الفيلم رغبة الإنسان في السيطرة أو تحقيق أهدافه، يعيش طاقم الفيلم صراعًا مشابهًا مع الواقع: رغبة في إنجاز العمل، رغبة في الحفاظ على صورته الفنية، رغبة في استكمال المشروع رغم التحديات.
وفي الوقت نفسه، قد تكون حورية فرغلي مارست رغبتها في حماية اختياراتها، تمامًا كما تدور أحداث الفيلم حول رغبات تحرك الشخصيات لتتخذ قرارات مصيرية.
ما الذي ينتظر الفيلم بعد هذه الأزمة؟
رغم الارتباك الأولي، يبقى فريق «حرام الجسد» مصرًا على استكمال العمل. لكن السؤال الأبرز: هل ينجح الفيلم في تجاوز تبعات الانسحاب؟ وهل يجد المخرج بديلة مناسبة تستطيع تقديم الدور بنفس القوة التي كان يتوقعها من حورية فرغلي؟
كما أن طبيعة الدور نفسه قد تجعل من الصعب إيجاد بديلة دون الحاجة إلى تعديلات درامية، وهو ما يضع خالد الحجر أمام مسؤولية كبيرة للحفاظ على روح العمل.
وليس سرًا أن السينما المصرية تعاني أحيانًا من أزمات كهذه، لكنها لطالما استطاعت تجاوزها بتكاتف صنّاع السينما، شريطة أن يُدار الأمر باحترافية وهدوء.
بين مفترق طرق: الفن أم الاستقرار؟
قرار حورية فرغلي قد يعكس مرحلة نضج فني تمرّ بها بعد «ساحرة الجنوب». فالنجاح الكبير يضع الفنان دائمًا في مفترق طرق: هل يغامر بدور جديد قد يكون مثيرًا للجدل؟ أم يختار الاستقرار الفني ويُبقي صورته في إطار محدد؟
هذا السؤال يتكرر في مسيرة معظم الفنانين، ولا يمكن لومهم على رغبتهم في حماية ما حققوه من نجاح. وفي الوقت نفسه، فإن الأعمال الجريئة التي تناقش قضايا إنسانية معقدة تحتاج من يتصدى لها بشجاعة وثبات.
«حرام الجسد»… هل يكون واحدًا من تلك الأعمال التي تُصنع وسط العواصف؟
كثير من الأعمال السينمائية الكبيرة في التاريخ خاضت أزمات قبل خروجها للنور، وبعضها خرج أقوى مما كان، بينما توقفت مشاريع أخرى تمامًا بسبب عقبات مشابهة. وحتى الآن، يبدو أن فريق «حرام الجسد» يملك الإرادة الكافية للاستمرار، لكن الطريق ليس سهلاً.
المخرج خالد الحجر يملك خبرة كبيرة في التعامل مع الأعمال الصعبة، وقدرته على خلق توازن بين الجرأة والحساسية الفنية قد تكون عاملًا مهمًا في تجاوز الأزمة. كما أن وجود أسماء مخضرمة مثل أحمد كمال ومحمود البزاوي يوفر دعمًا كبيرًا لأي توتر قد يواجهه العمل.
ختامًا… الأزمة لم تُغلق بعد
انسحاب حورية فرغلي قد يكون نقطة تحوّل في مسار الفيلم، وربما في مسارها الفني أيضًا. لكن يبقى أن هذا النوع من الأزمات جزء لا يتجزأ من صناعة السينما، حيث تتقاطع الطموحات مع الظروف الشخصية، والقرارات الحاسمة مع الحسابات الفنية.
«حرام الجسد» لا يزال مشروعًا قائمًا، وفريقه ما يزال يؤمن بالفكرة التي يحملها. وقد يكون المستقبل كفيلًا بتوضيح ما إذا كانت هذه الأزمة مجرد عثرة عابرة أم محطة فارقة ستُغيّر وجه الفيلم بشكل كامل.
وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحًا:
هل يستطيع الفيلم استعادة توازنه بعد هذه العاصفة؟ وهل كان انسحاب فرغلي خطوة تكتيكية مدروسة أم رد فعل لعوامل لم تتضح بعد؟
أسئلة كثيرة تنتظر الإجابة، لكن المؤكد أن «حرام الجسد» أصبح حديث الوسط الفني، وربما يصبح لاحقًا واحدًا من تلك الأعمال التي يُذكر دائمًا ما دار في كواليسها كما يُذكر ما ظهر منها على الشاشة.
