
في عالم الرياضة، تظل بعض الشخصيات أكثر من مجرد رياضيين، فهي رمز للجرأة، والتميز، والتمرد على التوقعات التقليدية. ومن بين هؤلاء يظل الملاكم البريطاني اليمني، “الأمير” نسيم حامد، واحدًا من أكثر الأسماء إثارة في تاريخ الملاكمة. أسلوبه غير التقليدي، ودخوله المسرحي المبالغ فيه إلى الحلبة، وثقته الزائدة التي كانت في بعض الأحيان تقترب من الغرور، جعلت منه شخصية تستحق فيلمًا يحمل اسمه. وقد حاول الكاتب والمخرج روان أتال في فيلمه الجديد “Giant” نقل حياة حامد إلى الشاشة الكبيرة، مركّزًا على علاقتها بمدربه الإيرلندي الشهير بريندان إنجل، الذي اكتشف موهبته وشكّل شخصيته داخل الحلبة.
لكن على الرغم من الأداء المتميز والتمثيل المقنع، فإن الفيلم يعاني من اختيارات سردية جعلت التركيز غير متوازن، إلى درجة أن “العملاق” المشار إليه في العنوان يبدو أن يكون إنجل وليس نسيم حامد نفسه، وهو ما يجعل الفيلم تجربة غريبة ومحبطة في بعض جوانبها.
بداية قوية: رحلة الصبي الذي أصبح أسطورة
يفتتح فيلم “Giant” رحلته بالحيوية والطاقة، متتبعًا مراحل نشأة حامد في شيفيلد، مدينة إنجليزية كانت مسرحًا لتحدياته الأولى. يتم تقديم نسيم في مرحلة الطفولة عبر أداء رائع من علي صالح، ثم في مرحلة ما قبل المراهقة بواسطة غيث صالح، وهما أداءان يعطيان الفيلم طاقة حقيقية ويجعله ينقل إحساسًا بالواقعية المبكرة لحياة البطل.
تولي الكاميرا اهتمامًا خاصًا بعلاقة نسيم بحياته المبكرة في حي صعب، وبكيفية مواجهة التمييز العنصري والإسلاموفوبيا التي كانت سائدة في بريطانيا خلال الثمانينيات والتسعينيات. هذه الخلفية الاجتماعية لم تكن مجرد خلفية؛ بل كانت جزءًا أساسيًا من شخصية نسيم، وساعدته على صقل أسلوبه القتالي في الحلبة، وتحويل غضبه إلى قوة تنافسية لا تُقهر.
وهو الجزء الذي ينقله الفيلم ببراعة: كيف استخدم حامد التحديات المجتمعية التي واجهته كوقود لصعوده الرياضي، وكيف تعلم من إنجل استراتيجيات الملاكمة المختلفة، والاعتماد على الثقة بالنفس غير التقليدية التي أصبحت علامته التجارية.
الصعود والشهرة: متى يصبح البطل طرفًا ثانويًا؟
مع تقدم الفيلم، نشهد صعود حامد إلى البطولة، وتراكم الشهرة والثروة، وهو ما يضع علاقته بمدربه إنجل تحت ضغط كبير. هنا يبدأ الفيلم في التحوّل تدريجيًا، وتبدأ الدراما الحقيقية في التركيز على إنجل، أكثر من حامد نفسه.
أداء بيرس بروسنان كإنجل متميز، خصوصًا في المشاهد التي يكافح فيها لإخفاء ألم الانفصال المتزايد عن تلميذه الذي أصبح نجمًا عالميًا. نرى إنجل في حياته الشخصية، داخل منزله، في علاقاته خارج الحلبة، وهو ما يمنحه طيفًا واسعًا من التعقيد الدرامي. لكن على الجانب الآخر، يُترك أمير المصري، الذي يؤدي دور حامد، بحصص محدودة نسبيًا من العمق والدراما، فيصبح البطل الأصلي بمثابة خلفية لشخصية ثانوية، وهو ما يخلق شعورًا بعدم التوازن السردي.
هنا يكمن التناقض الكبير في الفيلم: “العملاق” في العنوان ليس نسيم حامد، بل إنجل، وهو أمر غير متوقع ويترك المشاهد محبطًا إلى حد ما، لأنه يتناقض مع التوقعات المسبقة حول قصة حياة أسطورة الملاكمة.
الحلبة بلا بريق: مشاهد الملاكمة ومحدودية التنفيذ السينمائي
من أهم العناصر في أي فيلم عن الملاكمة هي مشاهد الحلبة التي تعكس حجم البطولة وقوة الأداء الفني للملاكم. للأسف، مشاهد القتال في “Giant” تبدو محدودة النطاق، وأحيانًا بلا الخيال السينمائي الذي يتناسب مع أسطورة مثل حامد.
أمير المصري يبدو مقنعًا بدنيًا في الحلبة، لكن التصوير والإخراج لا يمنحان المشاهد شعور القوة والإثارة المتوقعين. يبدو المشهد أحيانًا مبتورًا، مع خفة في الدراما البصرية، وكأن اللحظات الكبرى انتهت بشكل سريع، بعيدًا عن التأثير المطلوب. ربما يعود ذلك جزئيًا إلى ميزانية الفيلم، لكن النتيجة هي شعور بأن فيلمًا بهذا العنوان والمحتوى كان يحتاج إلى المزيد من القوة البصرية والمونتاج المكثف لإعادة إحساس المعركة الحقيقية داخل الحلبة.
القصة وراء القصة: الفرص الضائعة
بجانب نقص التفصيل في مشاهد الملاكمة، هناك شعور دائم بأن الفيلم كان يمكن أن يكون أكثر إثارة لو ركز على جوانب متعددة من حياة حامد الشخصية، خصوصًا بعد صعوده للشهرة. على سبيل المثال، الإشارة إلى كتابه أو محاولات تقدير جهوده تظهر بشكل عابر أو مقتصر على نهاية الفيلم، وكأن هناك قصة أكثر إثارة وعمقًا موجودة في “الهامش”، لكنها لم تُعرض على الشاشة.
وبهذا، يصبح الفيلم أشبه بتقديم نسخة مبسطة أو متوسطة المستوى من حياة نسيم حامد، مع التركيز على جوانب معينة على حساب الأخرى، وهو ما يفقد الفيلم قوته القصصية واندماج الجمهور مع البطل الحقيقي.
الأداء التمثيلي: نقطة القوة
على الرغم من النقد السابق، لا يمكن إنكار جودة الأداء التمثيلي. أمير المصري يقدّم شخصية نسيم بحيوية وشخصية متفردة، ويعكس الحماس والطموح والغرور الذي ميز الملاكم. بيرس بروسنان يتألق كإنجل، مع إبراز التوتر الداخلي والألم الناتج عن الفقد والانفصال عن تلميذه.
الأداءان معًا يمنحان الفيلم نبضه العاطفي، حتى وإن كان السرد غير متوازن. القدرة على خلق مشاهد درامية حقيقية، ولو أحيانًا على حساب البطولة الفعلية لحامد، تُظهر أن الممثلين كانوا قادرين على رفع مستوى المواد المتاحة أمامهم.
الجانب النفسي والاجتماعي: تمييز، دين، وشخصية عامة
الفيلم لا يقتصر على الرياضة وحدها؛ بل يسلط الضوء على السياق الاجتماعي الذي صنع حامد. التحديات العنصرية والدينية كانت جزءًا من شخصيته، والفيلم ينجح في إبراز كيفية تحويل التمييز إلى دافع للنجاح. هذا البُعد الاجتماعي والنفسي هو من أقوى نقاط الفيلم، إذ يمنح المشاهد فهمًا أعمق لشخصية الملاكم، بعيدًا عن مجرد الإثارة الرياضية.
الاستنتاج: ضربة خفيفة بدل القاضية
في نهاية المطاف، “Giant” فيلم يقدم قصة مشوقة لأحد أكثر الملاكمين إثارة في التاريخ الحديث، لكنه يفشل في تقديم الضربة القاضية التي كان الجمهور يتوقعها. مع الأداء التمثيلي الرائع، خصوصًا من أمير المصري وبيرس بروسنان، والفهم العميق للعوامل الاجتماعية التي شكلت شخصية حامد، يبقى الفيلم تجربة ممتعة جزئيًا، لكنها ناقصة في النطاق والإبهار.
إذا كان الجمهور يبحث عن فيلم ملاكمة يضرب بكل قوته على الشاشة ويجعل المشاهد يعيش داخل الحلبة، فإن “Giant” يقدم نسخة محدودة من ذلك، وكأن الحكم النهائي جاء “بفارق نقاط” وليس بالضربة القاضية.
الخلاصة
“Giant” فيلم يحتاج إلى التوازن أكثر بين البطل ومدربه، وإعادة النظر في حجم مشاهد الملاكمة، وتوسيع الاهتمام بالجوانب الإنسانية والشخصية لنسيم حامد بعد صعوده للشهرة. بالرغم من كل ذلك، يبقى الفيلم جديرًا بالمشاهدة لأولئك المهتمين بقصص الأبطال الحقيقيين، ولعشاق الرياضة الذين يريدون رؤية كيف يمكن للثقة، التحدي، والغرور أن يصنعوا أسطورة.
النتيجة النهائية: أداء ممتاز من الممثلين، قصة مشوقة جزئيًا، لكنها لا تقدم “الضربة القاضية” التي يستحقها اسم “Giant”.
