ماي سيما | Mosul (2019): معركة مدينة… وحكايات رجال لم يبقَ لهم ما يخسرونه

ماي سيما | Mosul (2019)

في زمنٍ ما زالت فيه الذاكرة العراقية مثقلة بصور الحرب، يأتي فيلم Mosul كعمل سينمائي قاسٍ وصادق، لا يكتفي بإعادة تمثيل معركة عسكرية، بل يحاول الاقتراب من التجربة الإنسانية لرجال عاشوا الحرب من الداخل. الفيلم، وهو إنتاج أميركي ناطق بالعربية، كُتب وأُخرج بواسطة ماثيو مايكل كارنهن، ويستند إلى معركة الموصل عام 2016 التي انتهت بهزيمة تنظيم داعش بعد سيطرته على المدينة منذ يونيو 2014.

عُرض Mosul لأول مرة في مهرجان فينيسيا السينمائي 2019، قبل أن يصل إلى جمهور أوسع عبر نتفليكس في 26 نوفمبر 2020، ليصبح واحدًا من أبرز الأفلام الحربية الناطقة بالعربية على المنصة.


حرب من زاوية مختلفة

لا ينطلق Mosul من مكاتب القيادات أو خرائط الجيوش، بل من الشارع، من مقهى محاصر، ومن رجال شرطة محليين وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع داعش. تبدأ الأحداث أثناء المعركة، حين يشتبك ثلاثة من رجال الشرطة العراقيين مع مهربي مخدرات تابعين للتنظيم، قبل أن يُحاصروا ويكادوا يُبادون لولا تدخل فريق سوات نينوى.

وسط الفوضى، نفقد أحد أفراد الشرطة، عم الشاب كاوه، وهو شرطي كردي في الحادية والعشرين من عمره، حديث الانضمام إلى السلك. خسارته السريعة تتحول إلى بوابة عبوره نحو عالم أكثر ظلمة، حين يُعرض عليه الانضمام إلى فريق سوات نينوى، الذي يتكوّن بالكامل من أبناء الموصل، رجال فقدوا عائلاتهم وأصدقاءهم على يد داعش، ويقودهم الرائد جاسم.


فريق بلا أوامر… ومهمة بلا اسم

منذ لحظة انضمامه، يلاحظ كاوه أن الفريق يعمل خارج الأطر التقليدية. لا أوامر واضحة، ولا هدف مُعلن. كلما سأل عن طبيعة المهمة، قوبل بالصمت أو التجاهل. ومع تقدّم الأحداث، تتكشف هشاشة الثقة داخل الفريق، خاصة بعد ظهور خيانة غير متوقعة من شريكه السابق جميل، ما يؤدي إلى سلسلة من الخسائر، ويعمّق الإحساس بأن الموت أقرب من أي وقت مضى.

الفيلم يرصد هذا التفكك النفسي بهدوء شديد، دون خطابات وطنية أو شعارات مباشرة. هنا، الحرب ليست ملحمة، بل استنزاف بطيء للأعصاب، حيث يسقط الأفراد واحدًا تلو الآخر، بنيران العدو أحيانًا، وبنيران “الصديق” أحيانًا أخرى.


تشابك السياسة والميليشيا

في أحد أكثر مشاهد الفيلم توترًا، يلتقي فريق سوات بقوات الحشد الشعبي بقيادة ضابط إيراني، في لحظة تكشف تعقيد المشهد العراقي. التفاوض هنا لا يتم عبر قنوات رسمية، بل بالمقايضة: ذخيرة مقابل علب سجائر. هذه التفاصيل الصغيرة تمنح الفيلم واقعيته القاسية، وتبرز كيف كانت المعركة خليطًا من تحالفات مؤقتة وصراعات مكتومة.


حين تتضح الحقيقة

مع اقتراب النهاية، تتكشف الحقيقة التي ظلّت غامضة طوال الفيلم: مهمة فريق سوات لم تكن عسكرية بحتة، بل عمليات إنقاذ شخصية. كل واحد من هؤلاء الرجال كان يقاتل ليحرر فردًا من عائلته اختطفه داعش. عندها فقط يفهم كاوه لماذا كانوا مستعدين للموت، ولماذا لم يكونوا بحاجة لتبرير ما يفعلون.

هذا الاكتشاف لا يحوّل الفيلم إلى قصة انتصار، بل إلى مرثية للمدينة وأبنائها، حيث يتحول القتال من واجب وطني إلى صراع غريزي من أجل ما تبقى من الحياة.


أداء وتمثيل واقعي

يقدّم آدم بيسا أداءً لافتًا في دور كاوه، شاب يتحول تدريجيًا من عنصر مرتبك إلى مقاتل صامت يحمل آثار الحرب على وجهه وروحه. كما يترك سهيل دبّاغ أثرًا قويًا في دور الرائد جاسم، قائد متعب، صارم، يحمل شعورًا دائمًا بالذنب والمسؤولية. بقية الطاقم، من بينهم إسحاق إلياس وثير الشايعي، يساهمون في خلق صورة جماعية متماسكة لفريق لا أبطال فيه بالمعنى التقليدي.


فيلم حرب… بلا تمجيد

ما يميز Mosul هو رفضه تمجيد العنف أو تقديم الحرب كفعل بطولي. لا موسيقى ملحمية، ولا خطابات حماسية. فقط شوارع مدمرة، ووجوه مرهقة، وقرارات تُتخذ تحت ضغط الخوف والخسارة. إنه فيلم عن النجاة أكثر من النصر، وعن رجال لم يختاروا الحرب، لكنها اختارتهم.

بالنسبة لمن يبحث عن عمل حربي مختلف، واقعي، وصادم بهدوئه، فإن Mosul (2019) يظل تجربة سينمائية قوية، يمكن العثور عليها بسهولة عبر نتفليكس، أو من خلال البحث الشائع: ماي سيما Mosul (2019 action film). فيلم لا يروي فقط ما حدث في الموصل، بل كيف عاشه من كانوا في قلب النار.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top