في صيف 2023، وجدت الدراما العربية نفسها أمام عمل استثنائي أثار ردود فعل واسعة وجدلًا كبيرًا منذ طرح أول إعلان تشويقي له على منصة «شاهد». المسلسل هو «سفّاح الجيزة»، العمل الذي أعاد إلى الواجهة واحدة من أبشع وأغرب القضايا الجنائية في مصر خلال السنوات الأخيرة، والتي شغلت الرأي العام لمدّة طويلة، لا بسبب عدد جرائم القاتل فحسب، بل بسبب الطريقة الملتوية التي أخفى بها هويته وطمس آثاره، إلى أن تم القبض عليه والحكم عليه بالإعدام عام 2021.
ليس غريبًا أن يثير المسلسل كل هذا الجدل؛ فهو يستند إلى وقائع حقيقية مؤلمة، لعبت فيها الصدمة النفسية دورًا كبيرًا في اهتمام الجمهور. وبينما تسعى الدراما عادة إلى الإبهار أو الإثارة من خلال الخيال، فإن «سفّاح الجيزة» اعتمد على الواقع نفسه كمنجم للحكاية، مقدّمًا مادة درامية مشغولة بعناية، ومزروعة باللحظات الصادمة، والتحليل النفسي، والتشويق البوليسي، ليصبح بسرعة واحدًا من أهم أعمال منصة «شاهد» لعام 2023.
عمل أصلي بمنهج مختلف
المسلسل من أعمال شاهد الأصلية، وهو من إخراج هادي الباجوري، وتأليف محمد صلاح العزب، وإنتاج طارق نصر. يتألف من 8 حلقات فقط، لكنها مشحونة بأعلى درجات الترقب والغموض. وقد بدأ عرضه رسميًا في 25 أغسطس 2023، ليحقق منذ أيامه الأولى نسب متابعة عالية، ويصبح حديث مواقع الأخبار ومواقع التواصل.
تميّز العمل بأنه لم يسعَ إلى تقديم السيرة التفصيلية للمجرم الحقيقي، بل ركّز على الجانب النفسي والإنساني، محاولًا أن يفتح نافذة على أعمق طبقات الجريمة: الدوافع، الهواجس، التشوهات النفسية، والعلاقات المختلة التي صنعت من الإنسان وحشًا خطيرًا يقتل أقرب الناس إليه.
المجرم… الشخص الذي لا يشك فيه أحد
تدور أحداث المسلسل حول جابر، القاتل المتسلسل الذي يجسّده النجم أحمد فهمي في واحدة من أكثر شخصياته نضجًا وعمقًا. بعيدًا عن أدواره الكوميدية المعروفة، يدخل فهمي هنا منطقة داكنة ومعقدة نفسيًا، يقدم فيها شخصية مزدوجة تجمع بين اللطف والتهذيب أمام الآخرين، والوحشية المطلقة خلف الأبواب المغلقة.
جابر، كما يصوره العمل، ليس مجرمًا تقليديًا، بل صاحب قدرة مرعبة على بناء واجهة اجتماعية مقنعة، يخفي خلفها اضطرابات نفسية عميقة. ينفذ جرائمه بدم بارد، ويعيش حياته طبيعيًا، كأن شيئًا لم يحدث. يقتل زوجته، وصديقه المقرب، وآخرين ممن وضعوا ثقتهم فيه، ليتحوّل إلى شبح يطارد سكان الجيزة، حيث لا يعرف أحد من يقف خلف سلسلة الجرائم التي تهز المجتمع.
الشرطة في سباق مع الزمن
على الطرف الآخر، يقف الضابط حازم (أدّاه باقتدار باسم سمرة) مجسدًا شخصية الضابط المثابر الذي يقف ضد الظلام. لا يُقدَّم الضابط هنا على أنه بطل خارق، بل شخص محبط أحيانًا، غاضب أحيانًا أخرى، لكنه متمسك بمسؤولية كشف الحقيقة مهما كلّفت. تتطور شخصية حازم من مجرد محقق إلى شخص يعيش صراعًا نفسيًا مع الوقت ومع الجاني الذي يسبق خطواته دائمًا، قبل أن ينجح في النهاية في فك لغز جرائم جابر وإلقاء القبض عليه.
بين الحقيقة والدراما… مساحة للتأمل
ما يميز «سفّاح الجيزة» هو قدرته على الربط بين الدراما البوليسية والتشويق من جهة، وبين الطرح النفسي والاجتماعي من جهة أخرى. فهو لا يكتفي بسرد جرائم متسلسلة، بل يحاول الكشف عن الظلال النفسية التي جعلت جابر يتحول إلى قاتل، ويطرح أسئلة عديدة:
- كيف يمكن لشخص أن يعيش حياة طبيعية وهو يخفي أسرارًا وحشية؟
- إلى أي مدى يمكن أن ينخدع المجتمع بالمظاهر الهادئة؟
- ما الذي يصنع الشر: البيئة أم التشوه النفسي أم الصدمات؟
هذا المزج بين الواقعية والتحليل النفسي أعطى المسلسل عمقًا جعله أكثر من مجرد دراما جريمة، بل عملًا يقدم قراءة في النفس البشرية.
طاقم تمثيل منسجم ومتنوع
قدّم المسلسل مجموعة كبيرة من الممثلين الذين برعوا في تجسيد شخصياتهم، وبينهم:
- أحمد فهمي: جابر
- ركين سعد: زينة
- باسم سمرة: الضابط حازم
- حنان يوسف: والدة جابر
- صلاح عبد الله: سيد الطويل
- داليا شوقي: سلمى
- ميمي جمال: صباح
- لبنى ونس: والدة نور
- إنجي أبو السعود: نور
- أحمد فهيم: رضوان
- هايدي خالد: هالة
- جيهان الشماشرجي: نجلاء
- ريم حجاب: فادية
- محمد عبد العظيم: والد زينة
- ناهد رشدي: والدة زينة
- مازن علوان: آدم
- عمر شرقي: رامي
- عزيز علي: معتز
- نسمة بهي: رحاب
هذا التنوع منح المسلسل ثراءً بصريًا وتمثيليًا، خصوصًا أن شخصيات الضحايا والمحيطين بجابر كانت جزءًا رئيسيًا من بناء التوتر الدرامي.
تحوّل أحمد فهمي… من الكوميديا إلى العتمة
قد يكون أحمد فهمي أكثر من استفاد من هذا العمل. فبعد سنوات من ارتباط اسمه بالكوميديا، جاء «سفّاح الجيزة» ليكشف جانبًا آخر من طاقته التمثيلية. قدّم فهمي أداءً نفسيًا شديد التعقيد، لعب فيه على تفاصيل دقيقة مثل حركة العين، ودرجة الصوت، وطريقة المشي، لينجح في تشكيل شخصية مضطربة تقف عند حافة الجنون.
جابر ليس شخصية يسهل أداؤها؛ فهو لا يصرخ ولا يغضب ولا يجري خلف ضحاياه بشكل تقليدي، بل يحكم قبضته على ضحاياه ببرود مريب. وهذا ما نجح فيه فهمي إلى حد كبير، ليعيد تقديم نفسه للجمهور بشكل جديد تمامًا.
ركين سعد… الضحية التي فجّرت التعاطف
قدّمت ركين سعد دور زينة ببراعة لافتة، حيث لعبت شخصية الضحية التي تقع في حب الشخص الخطأ. حملت شخصيتها ألمًا داخليًا ينعكس على الشاشة في كل مشهد تظهر فيه. تمكنت من جعل الجمهور يشعر بوجعها وخوفها وتشتتها، لا من خلال الصراخ، بل عبر أداء تلقائي هادئ يعبّر عمّا يجول في داخلها.
باسم سمرة… الحضور الثقيل للضابط الباحث عن العدالة
يقدّم باسم سمرة أحد أفضل أدواره التلفزيونية، بتركيبة تجمع بين الذكاء والحدّة والتعب الداخلي. شخصية حازم ليست مثالًا للضابط المثالي، لكنها تحمل صدقًا وبساطة وقدرة على الإصرار، مما جعلها من أكثر الشخصيات المؤثرة في المسلسل.
التوتر: البطل الخفي في المسلسل
يمتاز «سفّاح الجيزة» بإيقاع سريع لا يعترف بالمطّ أو الحشو. كل حلقة تترك المشاهد في حالة من التشويق، حيث تتكشف طبقة جديدة من أسرار جابر. يستخدم الإخراج الإضاءة الخافتة، وزوايا الكاميرا القريبة، والصمت الطويل في اللحظات الحرجة، ليصنع حالة بصرية ونفسية تعكس اضطراب الشخصية الرئيسية.
التوتر في المسلسل ليس مفتعلًا؛ إنه جزء أصيل من بناء الأحداث، خصوصًا أن المشاهد يدرك دائمًا أن هناك شيئًا أسوأ قادمًا، وأن جابر قادر على ارتكاب جريمة جديدة في أي لحظة.
منصة «شاهد»… وتحوّل نوعي في الدراما العربية
يمثّل المسلسل جزءًا من التحول النوعي الذي تقوده منصة «شاهد» في السنوات الأخيرة، حيث بدأت في تقديم أعمال عالية الجودة تقنيًا ودراميًا، تعتمد على القصص الحقيقية والملفات الحساسة. وقد شكّل «سفّاح الجيزة» خطوة متقدمة في هذا الاتجاه، كونه يعالج واحدة من أعقد قضايا الجريمة التي عرفتها مصر.
العمل أظهر قدرة المنصات الرقمية على خلق أعمال جريئة لا قد تتناسب مع القيود التقليدية للعرض التلفزيوني العام، وهو ما سمح بصياغة مسلسل مكثّف، داكن، ومختلف عن السائد.
اختيار الأحداث الحقيقية… مسؤولية أخلاقية ودرامية
نظرًا لأن المسلسل مستوحى من جرائم حقيقية، فإن صناعه تعاملوا معه بحساسية شديدة، مع تجنب تقديم تفاصيل معينة أو أسماء حقيقية تخص الضحايا. هذا الاحترام يجعل العمل قريبًا من الحقيقة دون أن يتحول إلى تشهير أو إثارة مجانية على حساب الألم الإنساني.
ركز السيناريو أكثر على شخصية المجرم وآلياته النفسية، وعلى كيفية عمل الضابط في جمع الأدلة، دون الخوض في عنف مفرط لا يتيح للمشاهد إلا الصدمة دون سياق.
العمل كمرآة للظلام الإنساني
خلف كل مشهد دموي في المسلسل، هناك تساؤل عميق حول طبيعة الإنسان. هل يولد الشر متأصّلًا في بعض النفوس؟ أم أن الظروف القاسية وحدها تصنع المجرمين؟ يبدو المسلسل منحازًا إلى الرأي القائل بأن الشر مركّب ومعقد، وليست هناك إجابة واحدة.
جابر نشأ في بيئة أسرية مشوهة، وتعرّض لصدمات صنعت منه شخصًا قادرًا على الكذب والخداع بسهولة. لكن القصة لا تبرر جرائمه بأي حال، بل تقدّم تفسيرًا فقط. وهذا أحد أسباب التفاعل الكبير مع العمل؛ فهو يفتح باب التأمل بدلًا من الإدانة المباشرة.
الجيزة… المكان الذي يُصبح بطلًا
حملت مواقع التصوير خصوصية جعلت من «الجيزة» فضاءً دراميًا متكاملاً. الأزقة، الطرق الجانبية، البيوت القديمة، كلها شاركت في صنع الجو العام للمسلسل. فالمكان هنا ليس خلفية، بل عامل مؤثر في تكوين الشخصيات ودوافعها.
خاتمة: «سفّاح الجيزة»… عمل سيبقى في الذاكرة
استطاع «سفّاح الجيزة» أن يرسّخ نفسه كأحد أبرز الأعمال الدرامية في 2023، ليس فقط بسبب موضوعه المأخوذ من الواقع، بل بسبب طريقة معالجته، وبراعة أبطاله، وجودة إخراجه. قدم العمل دراما نفسية موجعة، وصنع من القاتل المتسلسل شخصية ستظل حديث الجمهور طويلًا.
وإن كان المسلسل قد نجح في شيء، فهو نجاحه في تحويل قصة مرعبة إلى دراما تثير التفكير قبل أن تثير الخوف، وتفتح نافذة على أعمق أسرار النفس البشرية، وتذكّر المشاهد بأن الوحوش غالبًا لا تأتي بأشكال مخيفة… بل بأقنعة بشر عاديين.
