«ألب أرسلان: السلجوقي العظيم»… ملحمة تركية تعيد رسم طريق الإمبراطورية وتعيد للمشاهد شغفه بالتاريخ

  ألب أرسلان

لم يكن ظهور مسلسل «ألب أرسلان: السلجوقي العظيم» حدثًا عابرًا في عالم الدراما التركية، بل شكل نقطة تحول جديدة في مسار الأعمال التاريخية التي اعتاد الجمهور أن يتابعها عبر شاشة TRT1. فمنذ انطلاق عرضه في نوفمبر 2021 وحتى نهايته في نوفمبر 2023، حقق المسلسل حضورًا جماهيريًا واسعًا وضعه في صدارة الأعمال التاريخية التي تروي فصول الدولة السلجوقية، بواحدة من أكثر فتراتها حساسية وقوة.

العمل الذي أنتجته شركة أكلي فيلم، وجاء بإخراج سدات إنجي وكتابة إيمره كونوك، اعتبره كثيرون بمثابة الامتداد الطبيعي لمسلسل «نهضة السلاجقة العظمى» الذي سبق عرضه بين 2020 و2021، لكنه في الوقت نفسه قدّم رؤية مستقلة تتناول الحقبة التي سبقت الأحداث المعروفة في المسلسل الأول. هكذا تحقق مزج فني جميل بين ماضٍ تم تقديمه، وجذور أعمق كان ينبغي العودة إليها لفهم صعود الدولة السلجوقية وبروز أحد أعظم قادتها: السلطان ألب أرسلان.

دراما تاريخية في قالب بطولي

منذ الحلقة الأولى، كان واضحًا أن المسلسل يسعى إلى تقديم دراما عميقة لا تكتفي بسرد الأحداث التاريخية الجافة، بل تُغلفها ببعد إنساني يقرّب المشاهد من أبطاله، ويجعله يعيش تفاصيل حياتهم، صراعاتهم، نقاط ضعفهم وقوتهم، وتجاربهم الشخصية بما فيها من ألم وحب وخيانة.

يقود البطولة الفنان باريش أردوتش الذي قدّم شخصية ألب أرسلان ببراعة جعلت النقاد يشيدون بالحضور الجسدي والنفسي الذي أضفاه على الدور. إلى جانبه وقفت فخرية أوجن في دور «أكشا خاتون»، الشخصية التي أصبحت محورًا أساسيًا للصراع الدرامي، قبل أن تتولى كايرا زابجي لاحقًا تجسيد شخصية «سفرية خاتون»، لتكمل المسار العاطفي والسياسي للسلطان.

كما شارك في العمل نخبة من الممثلين المتمرسين، بينهم محمد أوزغور، أردنش جولينار، باريش باغجي، صرب ليفند أوغلو، جيزم كاراجا، هاندي سوباشي وغيرهم، مما أضاف إلى المسلسل ثقلًا فنّيًا واضحًا.

بداية الحكاية… يومٌ كان يُفترض أن يكون تاريخيًا

تبدأ القصة من لحظة كانت ستعلن عن وريث السلطان السلجوقي طغرل بك. يومٌ سياسي بامتياز، إلا أنه يتحول فجأة إلى بداية حرب، حين تصل أنباء بأن البيزنطيين قتلوا أتراكًا أبرياء، من نساء وأطفال. أمام هذا الحدث، يأمر السلطان طغرل بإطلاق حملة عسكرية نحو الأناضول، ليبدأ معها خيط طويل من الصراعات، ويجد الأمراء السلاجقة أنفسهم تحت هجوم غامض من قتلة لا هوية لهم.

وبينما تتبع آثار الهجوم، ينطلق ألب أرسلان في رحلة تغيّر حياته، وصولًا إلى لقائه بالفتاة التركمانية «أكشا خاتون»، التي هربت من بطش البيزنطيين. ورغم أن هذه اللحظة بدت كإحدى المحطات العاطفية التقليدية، إلا أن المسلسل يذهب بها إلى أبعد من ذلك، إذ يخفي جسد أكشا أسرارًا لم يكن السلطان الشاب ليتوقعها.

البيزنطيون… وخيوط حرب تشتعل بالتناوب

على الجانب البيزنطي، يبدأ التحرك السياسي والعسكري فورًا. فيرسل الإمبراطور جنرالاته الأقوياء، وعلى رأسهم دوكاس و رومانوس ديوجينيس، إلى مدينة آني لمحاولة احتواء الصراع مع التركمان. غير أن خطأ يرتكبه «يانيس»، ابن حاكم آني «كيكافمينوس»، يشعل فتيل الحرب مجددًا، ويؤدي إلى مواجهة شاملة بين السلاجقة والبيزنطيين.

هكذا تبدأ سلسلة معارك تظهر قوة السلطان الفتي وشجاعته وذكاءه القيادي. وتأتي معركة باسينلار لتكون نقطة التحول الأولى، حيث يحقق السلاجقة انتصارًا كبيرًا يفتح الباب أمام أول خطوات مشروع فتح الأناضول.

الطريق نحو الحكم… قرار ثم تراجع

بعد النصر، يعلن السلطان طغرل أن ألب أرسلان هو وريثه الشرعي. لكنه، في خطوة تعكس نضج الشخصية، يقرر التراجع مؤقتًا عن تولي الحكم ليكرس نفسه للجهاد وحماية الحدود من المسيحيين.

في هذه الأثناء، يخطط للزواج من «أكشا خاتون»، لكن الحقيقة المؤلمة تنكشف لاحقًا: أكشا كانت جاسوسة جندها «كيكافمينوس» نفسه، قبل أن تتوب وتغير ولاءها بالكامل. وبعد مسار طويل من الصراع الداخلي، تنتهي حياتها tragically خلال فتح «فاسبوركان»، تاركة أثرًا عاطفيًا عميقًا في حياة السلطان.

مؤامرات لا تنتهي… وسقوط أمراء وخونة

واحدة من عناصر قوة المسلسل كانت كثافة المؤامرات السياسية، التي تتشابك بين السلاجقة والبيزنطيين والجورجيين والغزنويين. إذ يظهر الأمير بوزان، أحد أخطر شخصيات العمل، والذي تبيّن لاحقًا أنه زعيم منظمة قرمطية، حيث قتل «السلطان مودود» و«السلطانة شيهوار» قبل أن يتمكن ألب أرسلان من قطع رأسه.

كما يواجه السلطان تمردات داخلية من أقرب الناس إليه، مثل الأمير إبراهيم ينال الذي يتحالف مع أعداء الدولة، فتحكم المؤامرات قبضتها على كل خطوة يخطوها البطل.

سفرية خاتون… الحب الجديد وصراع القدر

مع بداية الموسم الثاني، يسلك المسلسل منحنى مختلفًا، إذ يُجبر السلطان ألب أرسلان على الزواج من «سفرية خاتون»، ابنة الأمير أرسلان يوسف. زواج يبدأ بالإكراه والرفض، ويصل إلى حد قيام سفرية بطعنه في كتفه احتجاجًا على القرار. لكن هذا الرفض يتحول تدريجيًا إلى علاقة حب ناضجة، تعيش جميع مراحل الألم والفقد والولادة.

تنجب سفرية طفلًا من ألب أرسلان، هو ملك شاه، الذي سيصبح لاحقًا واحدًا من أعظم سلاطين السلاجقة.

الطريق إلى العرش… من فاسبوركان إلى كرمان

يتابع المسلسل بدقة تفاصيل صعود ألب أرسلان نحو الحكم، مرورًا بسلسلة طويلة من النزاعات، منها:

  • وفاة تشاغري بك، والده.
  • تمرد شقيقه قاورد.
  • خيانة ابن قاورد «مردان».
  • هروب سليمان مع «فلورا».
  • ظهور الكونت ليون، أحد أخطر أعداء السلطان.

وفي خضم هذه الأحداث، يعثر ألب أرسلان على وصية السلطان طغرل التي تنص على أنه السلطان الشرعي من بعده، لينتهي الصراع ويجلس على عرش السلاجقة رسميًا.

فتح آني… وقمة الصدام مع البيزنطيين

من أبرز لحظات العمل انتصار ألب أرسلان في تحرير مدينة آني، وهي لحظة محورية تمثل بداية انهيار النفوذ البيزنطي في الشرق. يتمكن السلطان من قتل الكونت ليون، بينما يهرب القيصر ديوجينيس مع مساعدته «إيراز».

لكن ختام المسلسل يأتي مع واحدة من أعظم المعارك في التاريخ الإسلامي والتركسي: معركة ملاذكرد 1071، حيث يهزم ألب أرسلان ديوجينيس هزيمة ساحقة، ويفتح الطريق أمام الأتراك لدخول الأناضول، إيذانًا بولادة عصر جديد.

شخصيات رئيسية صنعت قوة السرد

من العوامل المهمة في قوة المسلسل هو حسن اختيار الطاقم، ومن أبرزهم:

  • باريش أردوتش: في دور ألب أرسلان، بإحساس قيادي صادق وأداء جسدي مقنع.
  • فخرية أوجن: في دور أكشا خاتون، قدمت شخصية مزدوجة بين الحب والجاسوسية.
  • كايرا زابجي: سفرية خاتون، التي تحولت من شخصية معارضة إلى رمز الأنوثة القوية.
  • باريش باغجي: السلطان طغرل بك.
  • محمد أوزغور: في الدور المركزي لنظام الملك.
  • أردنش جولينار: في دور تشاغري بك.
  • صرب ليفند أوغلو: في أداء متقن لدور القيصر رومانوس ديوجينيس.

وهناك عشرات الأدوار الأخرى التي أضافت للعمل عمقه وشساعته.

نجاح جماهيري… وتفاعل واسع عبر موسمين

امتد المسلسل على موسمين بإجمالي:

  • 27 حلقة في الموسم الأول (من نوفمبر 2021 حتى مايو 2022).
  • 34 حلقة في الموسم الثاني (من سبتمبر 2022 حتى نوفمبر 2023).

قدم خلالها العمل لوحات قتالية ضخمة، تصاميم أزياء مستوحاة من الحقبة التاريخية، وموسيقى تصويرية أثرت التجربة البصرية والدرامية.

ما الذي جعل «ألب أرسلان» مختلفًا؟

  1. الإخراج المتقن الذي منح المشاهد تجربة بصرية قريبة من السينما.
  2. الاعتماد على أحداث تاريخية موثقة مع مساحة درامية محسوبة.
  3. الحضور الأخّاذ لألب أرسلان كشخصية قيادية ذات روح أبوية وعاطفية في آن.
  4. بناء الشخصيات النسائية بذكاء، سواء أكشا أو سفرية أو شيهوار.
  5. القدرة على تقديم العلاقات العائلية والسياسية دون ابتذال.

ختامًا… ملحمة تبقى في الذاكرة

استطاع «ألب أرسلان: السلجوقي العظيم» أن يضيف إلى الدراما التركية فصلًا جديدًا من الأعمال التاريخية التي تجمع بين الإمتاع والمعرفة. فهو ليس مجرد مسلسل يعرض معارك وحروبًا، بل عمل يتناول بناء دولة، وصراعات أجيال، وتحولات نفوس البشر بين الطموح والحب والخيانة والولاء.

هو ملحمة تُذكّر المشاهد بأن التاريخ لم يُكتب فقط بالسيوف، بل أيضًا بالقرارات، بالمواقف، وبالقدرة على مواجهة الألم والخيانات والخسائر. ذلك كله يجعل من المسلسل واحدًا من أبرز الأعمال التي تناولت شخصية ألب أرسلان، الرجل الذي فتح للترك طريق الأناضول، وفتح للدراما التركية طريقًا جديدًا للعودة إلى الجذور.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top